|
|||||||
| مــنــتــدى الــقــرآن الـكــريــم قسم يحتوي على كل ما يتعلق بالقرآن الكريم من تسجيلات صوتيه ومرئيه وتفسير |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 |
|
عضو جديد ![]() ![]()
|
المؤلف : أبو زكريا يحيى بن شرف الدين النووي قال الشيخ الفقيه الإمام العالم الورع الزاهد الضابط المتقن أبو زكريا يحيى محي الدين شرف بن حزام النووي رحمه الله تعالى : الحمد لله الكريم المنان ذي الطول والفضل والإحسان الذي هدانا للإيمان وفضل ديننا على سائر الأديان بارساله إلينا أكرم خلقه عليه وأفضلهم لديه حبيبه وخليله وعبده ورسوله محمدا صلى الله عليه و سلم فمحا به عبادة الأوثان أكرمه صلى الله عليه و سلم بالقرآن المعجزة المستمرة على تعاقب الأزمان التي يتحدى بها الإنس والجان بأجمعهم وأفحم بها جميع أهل الزيغ والطغيان وجعله ربيعا لقلوب أهل البصائر والعرفان لا يخلق على كثرة التردد وتغاير الأحيان ويسره للذكر حتى استظهره صغار الولدان وضمن حفظه من تطرق التغير إليه والحدثان وهو محفوظ بحمد الله وفضله ما اختلف الملوان ووفق للإعتناء بعلومه من اصطفاه من أهل الحذق والإتقان فجمعوا فيها من كل فن ما ينشرح له صدر أهل الإيقان أحمده على ذلك وغيره من نعمه التي لا تحصى خصوصا علىنعمة الإيمان وأسأله المنة علي وعلى سائر أحبائي وسائر المسلمين بالرضوان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة محصلة للغفران منقذة صاحبها من النيران موصلة له إلى سكنى الجنان أما بعد فإن الله سبحانه وتعالى من على هذه الأمة ـ زادها الله تعالى شرفا ـ بالدين الذي ارتضاه دين الإسلام وأرسل إليها محمدا خير الأنام عليه منه أفضل الصلاة والبركات السلام وأكرمها بكتابه أفضل الكلام وجمع فيه سبحانه وتعالى جميع ما يحتاج إليه من أخبار الأولين ولآخرين والمواعظ والأمثال والآداب وضروب الأحكام والحجج القاطعات الظا هرات في الدلالة على وحدانيته وغير ذلك مما جاءت به رسله صلوات الله عليهم وسلامه الدامغات لأهل الإلحاد الضلال الطغام وضاعف الأجر في تلاوته وأمرنا بالإعتناء به والإعظام وملازمة الآداب معه وبذل الوسع في الاحترام وقد صنف في فضل تلاوته جماعة من الأمائل والأعلام كتبا معروفة عند أولي النهي والأحلام لكن ضعفت الهمم عن حفظها بل عن مطالعتها فصار لا ينتفع بها إلا أفراد من أولي الإفهام ورأيت أهل بلدتنا دمشق حماها الله تعالى وصانها وسائر بلاد الإسلام مكثرين من الإعتناء بتلاوة القرآن العزيز تعلما وتعليما وعرضا ودراسة في جماعات وفرادى مجتهدين في ذلك بالليالي والأيام زادهم الله حرصا عليه وعلى جميع أنواع الطاعات مريدين وجه الله ذي الجلال والإكرام فدعاني ذلك إلى جمع مختصر في آداب حملته وأوصاف حفاظه وطلبته فقد أوجب الله سبحانه وتعالى النصح لكتابه ومن النصيحة له بيان آداب حملته وطلابه وإرشادهم إليها وتنبيههم عليها وأوثر فيه إختصار وأحاذر التطويل والإكثار وأقتصر في كل باب في طرف من أطرافه وأرمز من كل ضرب من آدابه إلى بعض أصنافه فلذلك أكثر ما أذكره بحذف أسانيده وإن كانت أسانيده بحمد الله عندي من الحاضرة العتيدة فإن مقصودي التنبيه على أصل ذلك والإشارة بما أذكره إلى ما حذفته مما هنالك والسبب في إيثار اختصاره إيثاري حفضه وكثرة الإنتفاع به وانتشاره ثم ما وقع من غريب الأسماء واللغات في الأبواب أفرده بالشرح والضبط الوجيز الواضح على ترتيب وقوعه في باب في آخر الكتاب ليكمل انتفاع صاحبه ويزول الشك عن طالبه ويندرج في ضمن ذلك وفي خلال الأبواب جمل من القواعد ونفائس من مهمات الفوائد وأبين الأحاديث الصحيحة والضعيفة مضافات إلى من رواها من الأئمة الأثبات وقد ذهلوا عن نادر من ذلك في بعض الحالات وأعلم أن العلماء من أهل الحديث وغيرهم جوزوا العمل بالضعيف في فضائل الأعمال ومع هذا فإني أقتصر على الصحيح فلا أذكر الضعيف إلا في بعض الأحوال وعلى الله الكريم توكلي واعتمادي وإليه تفويضي واستنادي وأسأله سلوك سبيل الرشاد والعصمة من أهل الزيغ والعناد والدوام على ذلك وغيره من الخير في ازدياد وأبتهل إليه سبحانه أن يهديني بحسن النيات وييسر لي جميع أنواع الخيرات ويعينني على أنواع المكرمات ويديمني على ذلك حتى الممات وأن يفعل ذلك كله بجميع أحبابي وسائر المسلمين والمسلمات وحسبي الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ويشتمل هذا الكتاب على عشرة أبواب : الباب الأول : في أطراف من فضيلة تلاوة القرآن وحملته الباب الثاني : في ترجيح القرآن والقارئ على غيرهما الباب الثالث : في إكرام أهل القرآن والنهي عن أذاهم الباب الرابع : في آداب حامل القرآن ومتعلمه الباب الخامس : في آداب حامل القرآن الباب السادس : في آداب القرآن وهو معظم الكتاب ومقصوده الباب السابع : في آداب الناس كلهم مع القرآن الباب الثامن : في الآيات والسور المستحبة في أوقات وأحوال مخصوصة الباب التاسع : في كتابة القرآن وإكرام المصحف الباب العشر : في ضبط ألفاظ هذا الكتاب (1/3) الباب الأول : في أطراف من فضيلة تلاوة القرآن وحملته قال الله عز و جل { إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور * ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور } وروينا عن عثمان بن عفان قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ خيركم من تعلم القرآن وعلمه ] رواه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري في صحيحه الذي هو أصح الكتب بعد القرآن وعن عائشة ا قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مر السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن وهو يتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران ] رواه البخاري و أبو الحسين مسلم القشيري النيسابوري في صحيحهما وعن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر ] رواه البخاري و مسلم وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه [ أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إن الله تعالى يرفع بهذا الكلام أقواما ويضع به آخرين ] رواه مسلم وعن أبي أمامة الباهلي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : [ اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه ] رواه مسلم وعن ابن عمر ما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل آناء النهار ورجل آتاه الله ملا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ] رواه البخاري و مسلم وروينا أيضا من رواية عبد الله بن مسعود يلفظ [ لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله ملا فسلطه على هلكته في الحق وجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها ] وعن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألام حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ] رواه أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ يقول الله سبحانه وتعالى : من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وفضل كلام الله سبحانه وتعالى على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه ] رواه الترمذي وقال حديث حسن وعن ابن عباس ما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إن الذي ليس في جوفه شئ من القرآن كالبيت الخرب ] رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ] رواه أبو داود و الترمذي و النسائي وقال الترمذي حديث حسن صحيح وعن معاذ بن أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال [ من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس الله والديه تاجا يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا فما ظنكم بالذي عمل بهذا ] رواه أبو داود وروى الدارمي باسناده عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ اقرؤوا القرآن فإن الله تعالى لا يعذب قلبا وعى القرآن وإن هذا القرآن مأدبة الله فمن دخل فيه فهو آمن ومن أحب القرآن فليبشر ] وعن الحميدي الجمالي قال : سألت سفيان الثوري عن الرجل يغزو أحب إليك أو يقرأ القرآن ؟ فقال يقرأ القرآن لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ خيركم من تعلم القرآن وعلمه ] (1/7) الباب الثاني : في ترجيح القراءة والقارئ على غيرها ثبت عن ابن مسعود الأنصاري البدري عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى ] رواه مسلم وعن ابن عباس ما قال ( كان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولا وشبابا ) رواه البخاري في صحيحه وسيأتي في الباب بعد هذا أحاديث تدخل في هذا الباب واعلم المذهب الصحيح المختار الذي عليه من يعتمد من العلماء أن قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وغيرها من الأذكار وقد تظاهرت الأدلة على ذلك والله أعلم (1/10) الباب الثالث : في إكرام أهل القرآن والنهي عن أذاهم قال الله عز و جل { ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } وقال الله تعالى { ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه } وقال تعالى { واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } وقال تعالى { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا } وفي الباب حيث أبي مسعود الأنصاري وحديث ابن عباس المتقدمان في الباب الثاني وعن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط ] رواه أبو داود وهو حديث حسن وعن عائشة ا قالت [ أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن ننزل الناس منازلهم ] رواه أبو داود في سننه و البزار في مسنده قال الحاكم أبو عبد الله في علوم الحديث : هو حديث صحيح وعن جابر بن عبد الله [ أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد ثم يقول أيهما أكثر أخذا للقرآن فإن أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد ] رواه البخاري وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم [ إن الله عز و جل قال : من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب ] رواه البخاري وثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال [ من صلى الصبح فهو في ذمة الله تعالى فلا يطلبنكم الله بشيء من ذمته ] وعن الإمامين الجليلين أبي حنيفة و الشافعي ما قالا : إن لم يكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي قال الإمام الحافظ أبو القاسم بن عساكر رحمه الله : اعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاء الله تعالى قبل موته بموت القلب فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (1/11) الباب الرابع : في آداب معلم القرآن ومتعلمه وفيه فصول هذا الباب مع البابين بعده هو مقصود الكتاب وهو طويل منتشر جدا فإني أشير إلى مقاصده مختصرة في فصول ليسهل حفظه وضبطه إن شاء الله تعالى ) فصل ( أول ما ينبغي للمقرئ والقارئ أن يقصدا بذلك رضا الله تعالى قال الله تعالى { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة } أي الملة المستقيمة وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ] وهذا الحديث من أصول الإسلام وروينا عن ابن عباس ما قال : إنما يعطى الرجل على قدر نيته وعن غيره إنما يعطى الناس على قدر نياتهم وروينا عن الأستاذ أبي القاسم القشيري رحمه الله تعالى قال : الإخلاص إفراد الحق في الطاعة بالقصد وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنع المخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس أو محبة أو مدح من الخلق أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى قال ويصح أن يقال : الإخلاص تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين وعن حذيفة المرعشي رحمه الله تعالى : الإخلاص استواء أفعال العبد في الظاهر والباطن وعن ذي النون رحمه الله تعالى قال : ثلاث من علامات الإخلاص استواء المدح والذم من العامة ونسيان رؤية العمل في الأعمال واقتضاء ثواب الأعمال في الآخرة وعن الفضيل بن عياض قال : ترك العمل لأجل الناس رياء والعمل لأجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما وعن سهل التستري رحمه الله تعالى قال : نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا أن تكون حركته وسكونه في سره وعلانيته لله تعالى وحده لا يمازجه شيء لا نفس ولا هوى ولا دنيا وعن السري قال : لا تعمل للناس شيئا ولا تترك لهم شيئا ولا تغط لهم شيئا ولا تكشف لهم شيئا وعن القشيري قال : أفضل الصدق استواء السر والعلانية وعن الحارث المحاسبي رحمه الله قال : الصادق هو الذي لا يبالي ولو خرج عن كل قدر له في قلوب الخلائق من أجل صلاح قلبه ولا يحب اطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله فإن كرامته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم وليس هذا من أخلاق الصديقين وعن غيره إذا طلبت الله تعالى بالصدق أعطاك الله مرآة تبصر فيها كل شيء من عجائب الدنيا والآخرة وأقاويل السلف في هذا كثيرة أشرنا إلى هذه الأحرف منها تنبيها على المطلوب وقد ذكرت جملا من ذلك مع شرحها في أول شرح المهذب وضممت إليها من آداب العالم والمتعلم والفقيه والمتفقه ما لا يستغني عنه طالب العلم والله أعلم ( فصل ) وينبغي أن لا يقصد به توصلا إلى غرض من أغراض الدنيا من مال أو رياسة أو وجاهة أو ارتفاع على أقرانه أو ثناء عند الناس أو صرف وجوه الناس إليه أو نحو ذلك ولا يشوب عند المقرئ إقراءه بطمع في رفق يحصل له من بعض من يقرأ عليه سواء كان الرفق مالا أو خدمة وإن قل ولو كان على صورة الهدية التي لو لا قراءته عليه لما أهداها إليه قال تعالى { من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب } وقال تعلى { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } الآية وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ من تعلم علما يبتغي به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ] رواه أبو داود بإسناد صحيح ومثله أحاديث كثيرة وعن أنس و حذيفة و كعب بن مالك م أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يكاثر به العلماء أو يصرف به وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار ] رواه الترمذي من رواية كعب بن مالك وقال [ أدخله النار ] ( فصل ) وليحذر كل الحذر من قصده التكثر بكثرة المشتغلين عليه والمختلفين إليه وليحذر من كراهته قراءة أصحابه على غيره ممن ينتفع به وهذه مصيبة يبتلى بها بعض المعلمين الجاهلين وهي دلالة بينة من صاحبها على سوء نيته وفساد طويته بل هي حجة قاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجه الله تعالى الكريم فإنه لو أراد الله بتعليمه لما كره ذلك بل قال لنفسه أنا أردت الطاعة بتعليمه وقد حصلت وقد قصد بقراءته على غيري زيادة علم فلا عتب عليه وقد روينا في مسند الإمام المجمع على إمامته وحفظه وإمامته أبي محمد الدارمي رحمة الله عليه عن علي بن أبي طالب أنه قال يا حملة القرآن أو قال ( يا حملة العلم اعملوا به فإنما العالم من عمل بما علم ووافق علمه عمله وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم يخالف عملهم علمهم وتخالف سريرتهم علانيتهم يجلسون حلقا يباهي بعضهم بعضا حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى ) وقد صح عن الإمام الشافعي أنه قال : وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم يعني علمه وكتبه أن لا ينسب إلي حرف منه ( فصل ) وينبغي للمعلم أن يتخلق بالمحاسن التي ورد الشرع بها والخصال الحميدة والشيم المرضية التي أرشده الله إليها من الزهادة في الدنيا والتقلل منها وعدم المبالاة بها وبأهلها والسخاء والجود ومكارم الخلاق وطلاقة الوجه من غير خروج إلى حد الخلاعة والحلم والصبر والتنزه عن دنيء المكاسب وملازمة الورع والخشوع والسكينة والوقار والتواضع والخضوع واجتناب الضحك والإكثار من المزاح وملازمة الوظائف الرعية كالتنظيف بإزالة الأوساخ والشعور التي ورد الشرع بإزالتها كقص الشارب وتقليم الظفر وتسريح اللحية وإزالة الروائح الكريهة والملابس المكروهة وليحذر كل الحذر من الحسد والرياء والعجب واحتقار غيره وإن كان دونه وينبغي أن يستعمل الأحاديث الواردة في التسبيح والتهليل ونحوهما من الأذكار والدعوات وأن يراقب الله تعالى في سره وعلانيته ويحافظ على ذلك وأن يكون تعويله في جميع أموره على الله تعالى ( فصل ) وينبغي له أن يرفق بمن يقرأ عليه وأن يرحب به ويحسن إليه بحسب حاله فقد روينا عن أبي هرون العبدي قال : [ كنا نأتي أبا سعيد الخدري فيقول : مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه و سلم إن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إن الناس لكم تبع وإن رجلا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا ] رواه الترمذي و ابن ماجه وغيرهما وروينا نحو في مسند الدارمي عن أبي الدرداء ( فصل ) وينبغي أن يبذل لهم النصيحة فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال [ الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ] رواه مسلم ومن النصيحة لله تعالى ولكتابه إكرام قارئه وطالبه وإرشاده إلى مصلحته والرفق به ومساعدته على طلبه بما أمكن وتأليف قلب الطالب وأن يكون سمحا بتعليمه في رفق متلطفا به ومحرضا له على التعلم وينبغي أن يذكره فضيلة ذلك ليكون سببا في نشاطه وزيادة في رغبته ويزهده في الدنيا ويصرفه عن الركون إليها والإغترار بها ويذكره فضيلة الإشتغال بالقرآن وسائر العلوم الشرعية وهو طريق الحارضين والعارفين وعباد الله الصالحين وأن ذلك رتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وينبغي أن يشفق على الطالب ويعتني بمصالحه كاعتنائه بمصالح ولده ومصالح نفسه ويجري المتعلم مجرى ولده في الشفقة عليه والصبر على جفائه وسوء أدبه ويعذره في قلة أدبه في بعض الأحيان فإن الإنسان معرض للنقائص لاسيما إن كان صغير السن وينبغي أن يحب له ما يحب لنفسه من الخير وأن يكره له ما يكره لنفسه من النقص مطلقا فقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ] وعن ابن عباس ما قال : أكرم الناس على جليسي الذي يتخطى الناس حتى يجلس إلي لو استطعت أن لا يقع الذباب على وجهه لفعلت وفي رواية : إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني فقد جاء أن لا يتعاظم على المتعلمين بل يلين لهم ويتواضع معهم فقد جاء في التواضع لآحاد الناس أشياء كثيرة معروفة مكيف بهؤلاء الذين هم بمنزلة أولاده مع ما هم عليه من الإشتغال بالقرآن ومع ما لهم عليه من حق الصحبة وترددهم إليه وقد جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال [ لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه ] وعن أبي أيوب السختياني رحمه الله قال : ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعا لله عز و جل ( فصل ) وينبغي أن يؤدب المتعلم على التدريج بالآداب السنية والشيم المرضية ورياضة نفسه بالدقائق بالخفية ويعوده الصيانة في جميع أموره الباطنة والجلية ويحرضه بأقواله وأفعاله المتكررات على الإخلاص والصدق وحسن النيات ومراقبة الله تعالى في جميع اللحظات ويعرفه أن لذلك تنفتح عليه أنوار المعارف وينشرح صدره ويتفجر من قلبه ينابيع الحكم واللطائف ويبارك له في علمه وحاله ويوفق في أفعاله وأقواله ( فصل ) تعليم المتعلمين فرض كفاية فإن لم يكن من يصلح إلا واحد تعين وإن كان هناك جماعة يحصل التعليم ببعضهم فإن امتنعوا كلهم أثموا وإن قام به بعضهم سقط الحرج عن الباقين وإن طلب من أحدهم وامتنع فأظهر الوجهين أنه لا يأثم لكن يكره له ذلك إن لم يكن عذر ( فصل ) يستحب للمعلم أن يكون حريصا على تعليمهم مؤثرا ذلك على مصالح نفسه الدنيوية التي ليست بضرورية وأن يفرغ قلبه في حال جلوسه لإقرائهم من الأسباب الشاغلة كلها وهي كثيرة معروفة وأن يكون حريصا على تفهيمهم وأن يعطي كل إنسان منهم ما يليق به فلا يكثر على من لا يحتمل الإكثار ولا يقصر لمن يحتمل الزيادة ويأخذهم بإعادة محفوظاتهم ويثني على من ظهرت نجابته ما لم يخش عليه فتنة بإعجاب أو غيره ومن قصر عنفه تعنيفا لطيفا ما لم يخش عليه تنفيره ولا يحسد أحدا منهم لبراعة تظهر منه ولا يستكثر فيه ما أنعم الله به عليه فإن الحسد للأجانب حرام شديد التحريم فكيف للمتعلم الذي هو بمنزلة الولد ويعود من فضيلته إلى معلمه في الآخرة الثواب الجزيل وفي الدنيا الثناء الجميل والله الموفق ( فصل ) ويقدم في تعليمهم إذا ازدحموا الأول فالأول فإن رضي الأول بتقديم غيره قدمه وينبغي أن يظهر لهم البشر وطلاقة الوجه ويتفقد أحوالهم ويسأل عمن غاب منهم ( فصل ) قال العلماء م ولا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية فقد قال سفيان وغيره طلبهم للعلم نية وقالوا طلبنا العلم لغير الله فأبى أن إلا لله معناه كانت غايته أن صار لله تعالى ( فصل ) ومن آدابه المتأكدة وما يعتنى به أن يصون يديه في حال الإقراء عن العبث وعينيه عن تفريق نظرهما من غير حاجة ويقعده على طهارة مستقبل القبلة ويجلس بوقار وتكون ثيابه بيضا نظيفة وإذا وصل إلى موضع جلوسه صلى ركعتين قبل الجلوس سواء كان الموضع مسجدا أو غيره فإن كان مسجدا كان آكد فإنه يكره الجلوس فيه قبل أن يصلي ركعتين ويجلس متربعا إن شاء أو غير متربع روى أبو بكر بن أبي داود السجستاني باسناده عن عبد الله بن مسعود كان يقرئ الناس في المسجد جاثيا على ركبتيه ( فصل ) ومن آدابه المتأكدة وما يعتني بحفظه أن لا يذل العلم فيذهب إلى مكان ينسب إلى من يتعلم منه فيه وأن كان المتعلم خليفة فمن دونه بل يصون العلم عن ذلك كما صانه عنه السلف م وحكاياتهم في هذا كثيرة مشهورة ( فصل ) في آداب المتعلم : جميع ما ذكرناه من آداب المعلم في نفسه آداب للمتعلم ومن آدابه أن يجتنب الأسباب الشاغلة عن التحصيل إلا سببا لا بد منه للحاجة وينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول القرآن وحفظه واستثماره فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال [ ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فصد الجسد كله ألا وهي القلب ] وقد أحسن القائل بقوله : يطيب القلب للعلم كما تطيب الأرض للزراعة وينبغي أن يتواضع لمعلمه ويتأدب معه وأن كان أصغر منه سنا وأقل شهرة ونسبا وصلاحا وغير ذلك ويتواضع للعلم فبتواضعه يدركه وقد قالوا نظما : ( العلم حرب للفتى والمتعالي كالسيل حرب للمكان العالي ) وينبغي أن ينقاد لمعلمه ويشاوره في أموره ويقبل قوله كالمريض العاقل يقبل قول الطبيب الناصح الحاذق وهذا أولى ( فصل ) ولا يتعلم إلا ممن تكملت أهليته وظهرت ديانته وتحققت معرفته واشتهرت صيانته فقد قال محمد بن سيرين و ومالك بن أنس وغيرهما من السلف : هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم وعليه أن ينظر معلمه بعين الاحترام ويعتقد كمال أهليته ورجحانه على طبقته فإنه أقرب إلى انتفاعه به وكان بعض المتقدمين إذا ذهب إلى معلمه تصدق بشيء وقال : اللهم استر عيب معلمي عني ولا تذهب بركة علمه مني وقال الربيع صاحب الشافعي رحمهما الله : ما اجترأت أن أشرب الماء و الشافعي ينظر إلي هيبة له وروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال : من حق المعلم عليك أن تسلم على الناس عامة وتخصه دونهم بتحية وأن تجلس أمامه ولا تشيرن عنده بيدك ولا تغمزن بعينيك ولا تقولن قال فلان خلاف ما تقول ولا تغتابن عنده أحدا ولا تشاور جليسك في مجلسه ولا تأخذ بثوبه إذا قام ولا تلح عليه إذا كسل ولا تعرض أي تشبع من طول صحبته وينبغي أن يتأدب بهذه الخصال التي أرشد إليها علي كرم الله وجهه وأن يرد غيبة شيخه إن قدر فإن تعذر عليه ردها فارق ذلك المجلس ( فصل ) ويدخل على الشيخ كامل الخصال متصفا بما ذكرناه في المعلم متطهرا مستعملا للسواك فارغ من الأمور الشاغلة وأن لا يخل بغير استئذان إذا كان الشيخ في مكان يحتاج فيه إلى استئذان وأن يسلم على الحاضرين إذا دخل ويخصه دونهم بالتحية وأن يسلم عليه وعليهم إذا انصرف كما جاء في الحديث فليست الأولى أحق من الثانية ولا يتخطى رقاب الناس بل يجلس حيث ينتهي به المجلس إلا أن يأذن له الشيخ في التقدم أو يعلم من حالهم إيثار ذلك ولا يقيم أحدا من موضعه فإن آثره غيره لم يقبل اقتداء بابن عمر ما إلا أن يكون في تقديمه مصلحة للحاضرين أو أمره الشيخ بذلك ولا يجلس في وسط الحلقة إلا لضرورة ولا يجلس بين صاحبين بغير إذنهما وإن فسحا له قعد وضم نفسه ( فصل ) وينبغي أيضا أن يتأدب مع رفقته وحاضري مجلس الشيخ فإن ذلك تأدب مر الشيخ وصيانة لمجلسه ويقعد بين يدي الشيخ قعدة المتعلمين لا قعدة المعلمين ولا يرفع صوته رفعا بليغا من غير حاجة ولا يضحك ولا يكثر الكلام من غير حاجة ولا يعبث بيده ولا بغيرها ولا يلتفت يمينا ولا شمالا من غير حاجة بل يكون متوجها إلى الشيخ مصغيا إلى كلامه ( فصل ) ومما يتأكد الاعتناء به أن لا يقرأ على الشيخ في حال شغل قلب الشيخ وملله واستيفازه وروعه وغمه وفرحه وعطشه ونعاسه وقلقه ونحو ذلك مما يشق عليه أو يمنعه من كمال حضور القلب والنشاط وأن يغتنم أوقات نشاطه ومن آدابه أن يتحمل جفوة الشيخ وسوء خلقه ولا يصده ذلك عن ملازمته واعتقاد كماله ويتأول لأفعاله وأقواله التي ظاهرها الفساد تأويلات صحيحة فما يعجز عن ذلك إلا قليل التوفيق أو عديم وأن جفاه الشيخ ابتدأ هو بالاعتذار إلى الشيخ وأظهر أن الذنب له والعتب عليه فذلك أنفع له في الدنيا والآخرة وأنفى لقلب الشيخ وقد قالوا : من لم يصبر على ذل التعليم بقي عمره في عماية الجهالة ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الاخرة والدنيا ومنه الأثر المشهور عن ابن عباس ما : ذللت طالبا فعززت مطلوبا وقد أحسن من قال : ( من لم يذق طعم المذلة ... ساعة قطع الزمان بأسره مذلولا ) ( فصل ) ومن آدابه المتأكدة أن يكون حريصا على التعلم مواظبا عليه في جميع الأوقات التي يتمكن منه فيها ولا يقنع بالقليل مع تمكنه من الكثير و لا يحمل نفسه ما لا يطيق مخافة من الملل وضياع ما حصل وهذا يختلف باختلاف الناس والأحوال وإذا جاء إلى مجلس الشيخ فلم يجده انتظر ولازم بابه ولا يفوت وظيفته إلا أن يخاف كراهة الشيخ لذلك بأن يعلم من حاله الإقراء في وقت بعينه وأنه لا يقرئ في غيره وإذا وجد الشيخ نائما أو مشتغلا بمهم لم يستأذن عليه بل يصبر إلى استيقاظه أو فراغه أو ينصرف والصبر أولى كما كان ابن عباس ما وغيره يفعلون وينبغي أن يأخذ نفسه بالإجتهاد في التحصيل في وقت الفراغ والنشاط وقوة البدن ونباهة الخاطر وقلة الشاغلات قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة فقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب : تفقهوا قبل أن تسودوا : معناه اجتهدوا في كمال أهليتكم وأنتم أتباع قبل أن تصيروا سادة فإنكم إذا صرتم سادة متبوعين امتنعتم من التعلم لارتفاع منزلتكم وكثرة شغلكم وهذا معنى قول الإمام الشافعي : تفقه قبل أن ترأس فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقه ( فصل ) وينبغي أن يبكر بقراءته على الشيخ أول النهار لحديث النبي صلى الله عليه و سلم [ اللهم بارك لأمتي في بكورها ] وينبغي أن يحافظ على قراءة محفوظه وينبغي أن لا يؤثر بنوبته غيره فإن الإيثار مكروه في القرب بخلاف الإيثار بحظوظ النفس فإنه محبوب فإن رأى الشيخ المصلحة في الإيثار في بعض الأوقات لمعنى شرعي فأشار عليه بذلك امتثل أمره ومما يجب عليه ويتأكد الوصية به أن لا يحسد أحدا من رفقته أو غيرهم على فضيلة رزقه الله إياها وأن لا يعجب بنفسه بما خصه الله وقد قدمنا ايضاح هذا في آداب الشيخ وطريقه في نفي العجب أن يذكر نفسه أنه لم يحصل ما حصله بحوله وقوته وإنما هو فضل من الله ولا ينبغي أن يعجب بشيء لم يخترعه بل أودعه الله تعالى فيه وطريقه في نفي الحسد أن يعلم أن حكمة الله تعالى اقتضت جعل هذه الفضيلة في هذا فينبغي أن لا يعترض عليها ولا يكره حكمة أرادها الله تعالى ولم يكرها (1/13) الباب الخامس : في آداب حامل القرآن وفيه فصول قد تقدم حمل منه في الباب الذي قبل هذا ومن آدابه أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل وأن يرفع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه إجلالا للقرآن وأن يكون مصونا عن دنيء الإكتساب شريف النفس مترفع على الجبابرة والجفاة من أهل الدنيا متواضعا للصالحين وأهل الخير والمساكين وأن يكون متخشعا ذا سكينة ووقار وفقد جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال : يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم فقد وضح لكم الطريق فاستبقوا الخيرات لا تكونوا عيالا على الناس وعن عبد الله بن مسعود قال : ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس مفطرون وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس يضحكون وبصمته إذا الناس يخوضون وبخشوعه إذا الناس يختالون وعن الحسن بن علي ما قال : إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وتفقدونها في النهار وعن الفضيل بن عياض قال : ينبغي لحامل القرآن أ لا تكون له حاجة إلى أحد من الخلفاء فمن دونهم وعنه أيضا قال : حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي أن يلهو مع من يلو هو ولا يسهو مع من يسهو ولا يلغو مع من يلغو تعظيما لحق القرآن ( فصل ) ومن أهم ما يؤثر به أن يحذر كل الحذر من اتخاذ القرآن معيشة يكتسب بها فقد جاء عن عبد الرحمن بن شبيل قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به ولا تجفوا عنه ولا تغلوا فيه ] وعن جابر عن النبي صلى الله عليه و سلم [ اقرؤوا القرآن من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه ] رواه بمعناه من رواية سهل بن سعد : معناه يتعجلون أجره إما بمال وإما سمعة ونحوها وعن فضيل بن عمرو قال : [ دخل رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم مسجدا فلما سلم الإمام قام رجل فتلا آيات من القرآن ثم سأل فقال أحدهما : إنا لله وإنا إليه راجعون سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم سيجيء قوم يسألون بالقرآن فمن سأل بالقرآن فلا تعطوه ] وهذا الإسناد منقطع فإن الفضيل بن عمرو لم يسمع الصحابة وأما أخذه الأجرة على تعليم القرآن فقد اختلف العلماء فيه فحكى الإمام أبو سليمان الخطابي منع أخذ الأجرة عليه عن جماعة من العلماء منهم الزهرى و أبو حنيفة وعن جماعة أنه يجوز إن لم يشترطه وهو قول الحسن البصرى و الشعبي و ابن سيرين وذهب عطاء و مالك و الشافعي وآخرون إلى جوازها إن شارطه واستأجره إجارة صحيحة وقد جاء بالجواز الأحاديث الصحيحة واحتج من منعها بحديث عبادة بن الصامت [ أنه علم رجلا من أهل الصفة القرآن فأهدى له قوسا فقال له النبي صلى الله عليه و سلم أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها ] وهو حديث مشهور رواه أبو داود و وغيره وبآثار كثيرة عن السلف وأجاب المجوزون عن حديث عبادة بجوابين : أحدهما أن في إسناده مقالا والثاني أنه كان تبرع بتعليمه فلم يستحق شيئا ثم أهدي إليه على سبيل العوض فلم يجز له الأخذ بخلاف من يعقد معه إجارة قبل التعليم والله أعلم ( فصل ) ينبغي أن يحافظ على تلاوته وكثر منها وكان السلف م لهم عادات مختلفة في قدر ما يختمون فيه فروى ابن أبي داود عن بعض السلف م أنهم كانوا يختمون في كل شهرين ختمة واحدة وعن بعضهم في كل شهر ختمة وعن بعضهم في كل عشر ليال ختمة وعن بعضهم في كل ثمان ليال وعن الأكثرين في كل سبع ليال وعن بعضهم في كل ست وعن بعضهم في كل خمس وعن بعضهم في كل أربع وعن كثيرين في كل ليال وعن بعضهم في كل ليلتين وختم بعضهم في كل يوم وليلة ختمة ومنهم من كان يختم ثلاثا وختم بعضهم ثمان ختمات أربعا بالليل وأربعا بالنهار فمن الذين كانوا يختمون ختمة في الليل واليوم عثمان بن عفان و تميم الداري و سعيد بن جبير و مجاهد و الشافعي وآخرين ومن الذين كانوا يختمون ثلاث ختمات سليم بن عمر قاضي مصر في خلافة معاوية وروى أبو بكر بن أبي داود أنه كان يختم في الليلة أربع ختمات وروى أبو عمر الكندي في كتابه في قضاة مصر أنه كان يختم في الليلة أربع ختمات قال الشيخ الصالح أبو عبد الرحمن السلمي : سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي يقول : كان ابن الكتاب يختم بالنهار أربع ختمات وبالليل أربع ختمات وهذا أكثر ما بلغنا من اليوم والليلة وروى السيد الجليل أحمد الدورقي بإسناده عن منصور بن زادان من عباد التابعين أنه كان يختم القرآن فيما بين الظهر والعصر ويختمه أيضا فيما بين المغرب والعشاء في رمضان ختمتين وسيأتي وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل وروى أبو داود بإسناده الصحيح أن مجاهدا كان يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء وعن منصور قال : كان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء كل ليلة من رمضان وعن إبراهيم بن سعد قال : كان أبي يحتبي فما يحل حبوته حتى يختم القرآن وأما الذي يختم في ركعة فلا يحصون لكثرتهم فمن المتقدمين عثمان بن عفان و تميم الداري و سعيد بن جبير م ختمة في كل ليلة في الكعبة وأما الذين ختموا في الأسبوع مرة فكثيرون نقل عن عثمان بن عفان و عبد الله بن مسعود و زيد بن ثابت و أبي بن كعب م وعن جماعة من التابعين ك عبد الرحمن بن يزيد و علقمة و إبراهيم رحمهم الله والإختبار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر ما يحصل له كمال فهم ما يقرؤه وكذا من كان مشغولا بنشر العلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة وقد كره جماعة من المتقدمين الختم في يوم وليلة ويدل عليه الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث ] رواه أبو داود و الترمذي و النسائي وغيرهم قال الترمذي حديث حسن صحيح والله أعلم وأما وقت الابتداء والختم لمن يختم في الأسبوع فقد روى أبو داود أن عثمان بن عفان كان يفتتح القرآن ليلة الجمعة ويختمه ليلة الخميس وقال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء : الأفضل أن يختم ختمة بالليل وأخرى بالنهار ويجعل ختمة النهار يوم الإثنين في ركعتي الفجر أو بعدهما ويجعل ختمة الليل ليلة الجمعة في ركعتي المغرب أو بعدهما ليستقبل أول النهار وآخره وروى ابن أبي داود عن عمر بن مرة التابعي قال : كانوا يحبون أن يختم القرآن من أول الليل أو من أول النهار وع طلحة بن مصرف التابعي الجليل قال : من ختم القرآن أية ساعة كانت من النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي وأية ساعة كانت من الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح وعن مجاهد مثله وروى الدارمي في مسنده بإسناده عن سعد بن أبي وقاص قال : إذا وافق ختم القرآن أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح وإذا وافق ختمه آخر الليل صلت عليه الملائكة حتى يمسي قال الدارمي : هذا حسن من سعد وعن حبيب بن أبي ثابت التابعي : أنه كان يختم قبل الركوع قال ابن أبي داود : وكذا قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وفي هذا الفصل بقايا ستأتي إن شاء الله تعالى في الباب الآتي ( فصل : في المحافظة على القراءة بالليل ) ينبغي أن يكون اعتناؤه بقراءة القرآن في الليل أكثر قال الله تعالى { من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون * يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين } وثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال [ نعم الرجل عبد الله لوم كان يصلي من الليل ] وفي الحديث الآخر من الصحيح أنه صلى الله عليه و سلم قال [ يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل ثم تركه ] وروى الطبراني وغيره عن سهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ شرف المؤمن قيام الليل ] والأحاديث والآثار في هذا كثيرة وقد جاء عن أبي الأحوص الحبشي قال : إن كان الرجل ليطرق الفسطاط طروقا : أي يأتيه ليلا فيسمع لأهله دويا كدوي النحل قال فما بال هؤلاء يأمنون ما كان أولئك يخافون ؟ وعن إبراهيم النخعي كان يقول : اقرأوا من الليل ولو حلب شاة وعن يزيد الرقاشي قال : إذا أنا نمت ثم استيقظت ثم نمت فلا نامت عيناي قلت : وإنما رجحت صلاة الليل وقراءته لكونها أجمع للقلب وأبعد عن الشاغلات والملهيات والتصرف في الحاجات وأصون عن الرياء وغيره من المحبطات مع ما جاء الشرع به من إيجاد الخيرات في الليل فإن الإسراء برسول الله صلى الله عليه و سلم كان ليلا وحديث [ ينزل ربكم كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يمضي شطر الليل فيقول : هل من داع فأستجيب له ] الحديث وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال [ في الليل ساعة يستجيب الله فيها الدعاء كل ليلة ] وروى صاحب بهجة الأسرار بإسناده عن سليمان الأنماطي قال : رأيت علي بن أبي طالب في المنام يقول : ( لولا الذين لهم ورد يقومونا وآخرون لهم سرد يصومونا لدككت أرضكم من تحتكم سحرا لأنكم قوم سوء لا تطيعونا ) واعلم أن فضيلة القيام بالليل والقراءة فيه تحصل بالقليل والكثير وكلما كثر كان أفضل إلا أن يستوعب الليل كله فإنه يكره الدوام عليه وإلا أن يضر بنفسه ومما يدل على حصوله بالقليل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقسطين ] رواه أبو داود وغيره وحكى الثعلبي عن ابن عباس ما قال من صلى بالليل ركعتين فقد بات لله ساجدا وقائما ( فصل : في الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان ) ثبت عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها ] رواه البخاري و مسلم وعن ابن عمر ما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال [ إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعلقة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت ] رواه مسلم و البخاري وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها ] رواه أبو داود و الترمذي وتكلم فيه وعن سعد بن عبادة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله عز و جل يوم القيامة وهو أجذم ] رواه أبو داود و الترمذي ( فصل : فيمن نام عن ورده ) عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنه قرأه من الليل ] رواه مسلم وعن سليمان بن يسار قال : قال أبو أسيد : نمت البارحة عن وردي حتى أصبحت فلما أصبحت استرجعت وكان وردي سورة البقرة فرأيت في المنام كأن بقرة تنطحني رواه ابن أبي داود وروى ابن أبي الدنيا عن بعض حفاظ القرآن : أنه نام ليلة عن حزبه فأري في منامه كأن قائلا يقول له : ( عجبت من جسم ومن صحة ومن فتى نام إلى الفجر والموت لا يؤمن خطفاته في ظلم الليل إذا يسري ) (1/28) الباب السادس : في آداب القرآن هذا الباب هو مقصود الكتاب وهو منتشر جدا وأنا أشير إلى أطراف من مقاصده كراهة الإطالة وخوفا على قارئه من الملالة فأول ذلك يجب على القارئ الإخلاص كما قدمناه ومراعاة الأدب مع القرآن فينبغي أن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى ويقرأ على حال من يرى الله تعالى فإنه إن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه ( فصل ) وينبغي إذا أراد القراءة أن ينظف فاه بالسواك وغيره والإختيار في السواك أن يكون بعود من أراك ويجوز بسائر العيدان وبكل ما ينظف كالخرقة الخشنة والأشنان وغير ذلك وفي حصوله بالإصبع الخشنة ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي رحمهم الله تعالى : أشهرها أنه لايحصل والثاني يحصل إن لم يجد غيرها ولا يحصل إن وجد ويستاك عرضا مبتدئا بالجانب الأمين من فمه وينوي به الإتيان بالسنة قال بعض العلماء : يقول عند الإستياك اللهم بارك في فيه يا أرحم الراحمين قال الماوردي من أصحاب الشافعي ويستحب أن يستاك في ظاهر الأسنان وباطنها ويمر السواك على أطراف أسنانه وكراسي أظراسه وسقف حلقه إمرارا رفيقا قالوا : وينبغي أن يستاك بعود متوسط لا شديد اليبوسة ولا شديد الرطوبة قال فإن اشتد يبسه لينه بالماء ولا بأس باستعماله سواك غيره بإذنه وأما إذا كان فمه نجسا بدم أو غيره فإنه يكره له قراءة القرآن قبل غسله وهل يحرم ؟ قال الروياني من أصحاب الشافعي عن والده يحتمل وجهين والأصح لا يحرم ( فصل ) يستحب أن يقرأ وهو على طهارة فإن قرأ محدثا جاز بإجماع المسلمين والأحاديث فيه كثيرة معروفة قال إمام الحرمين : ولا يقال ارتكب مكروها بل هو تارك للأفضل فإن لم يجد الماء تيمم والمستحاضة في الزمن المحكوم بأنه طهر حكمها حكم المحدث وأما الجنب والحائض فإنه يحرم عليهما قراءة القرآن سواء كان آية أو أقل منها ويجوز لهما إجراء القرآن على قلبهما من غير تلفظ به ويجوز لهما النظر في المصحف وإمراره على القلب وأجمع المسلمون على جواز التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم وغير ذلك من الأذكار للجنب والحائض قال أصحابنا : وكذا إن قالا لإنسان : خذ الكتاب بقوة وقصدا به غير القرآن فهو جائز وكذا ما أشبهه ويجوز لهما أن يقولا عند المصيبة : إنا لله وإنا إليه راجعون إذا لم يقصدا القرآن قال أصحابنا الخراسانيون : ويجوز أن يقولا عند ركوب الدابة : سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وعند الدعاء : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وقنا عذاب النار إذا لم يقصدا القرآن قال إمام الحرمين : فإذا قال الجنب بسم الله والحمد لله فإن قصد القرآن عصى وإن قصد الذكر أو لم يقصد شيئا لم يأثم ويجوز لهما قراءة ما نسخت تلاوته : كالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ( فصل ) إذا لم يجد الجنب أو الحائض ماء تيمم ويباح له القراءة والصلاة وغيرهما فإن أحدث حرمت عليه الصلاة ولم تحرم القراءة والجلوس في المسجد وغيرهما مما لا يحرم على المحدث كما لو اغتسل ثم أحدث وهذا مما يسأل عنه ويستغرب فيقال : جنب يمنع من الصلاة ولا يمنع من قراءة القرآن والجلوس في المسجد من غير ضرورة كيف صورته ؟ فهذا صورته ثم الأقرب لا فرق مما ذكرناه بين تيمم الجنب في الحضر والسفر وذكر بعض أصحاب الشافعي أنه إذا تيمم في الحضر استباح الصلاة ولا يقرأ بعدها ولا يجلس في المسجد والصحيح جواز ذلك كما قدمناه ولو تيمم ثم صلى وقرأ ثم رأى ماء يلزمه استعماله فإنه يحرم عليه القراءة وجميع ما يحرم على الجنب حتى يغتسل ولو تيمم وصلى وقرأ ثم أراد التيمم لحدث أو لفريضة أخرى أو لغير ذلك فإنه لا يحرم عليه القراءة على المذهب الصحيح المختار وفيه وجه لبعض أصحاب الشافعي أنه لا يجوز والمعروف الأول أما إذا لم يجد الجنب ماء ولا ترابا فإنه لا يصلي لحرمة الوقت على حسب حاله ويحرم عليه القراءة خارج الصلاة ويحرم عليه أن يقرأ في الصلاة ما زاد على فاتحة الكتاب وهل يحرم عليه قراءة الفاتحة ؟ فيه وجهان : الصحيح المختار أنه لا يحرم بل يجب فإن الصلاة لا تصح إلا بها وكلما جازت الصلاة لضرورة مع الجنابة يجوز القراءة والثاني لا يجوز بل يأتي بالأذكار التي بها العاجز الذي لا يحفظ شيئا من القرآن لأن هذا عاجز شرعا فصار كالعاجز حسا والصواب الأول وهذه الفروع التي ذكرناها يحتاج إليها فلهذا أشرت إليها بأوجز العبارات وإلا فلها أدلة وتتمات كثيرة معروفة في كتب الفقه والله أعلم ( فصل ) ويستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد لكونه جامعا للنظافة وشرف البقعة ومحصلا لفضيلة أخرى وهي الإعتكاف فإنه ينبغي لكل جالس في المسجد الإعتكاف سواء أكثر في جلوسه أو أقل بل ينبغي أول دخوله المسجد أن ينوي الإعتكاف وهذا الأدب ينبغي أن يعتنى به ويشاع ذكره ويعرفه الصغار والعوام فإنه مما يغفل عنه وأما القراءة في الحمام فقد اختلف السلف في كراهيتها : فقال أصحابنا : لا يكره ونقله الإمام المجمع على جلالته أبو بكر بن المنذر في الإشراف عن إبراهيم النخعي و مالك وهو قول عطاء وذهب إلى كراهته جماعات منهم علي بن أبي طالب رواه عنه ابن أبي داود وحكى ابن المنذر عن جماعة من التابعين منهم أبو وائل شقيق بن سلمة و الشعبي و الحسن البصري و مكحول و قبيصة بن ذؤيب ورويناه أيضا عن إبراهيم النخعي وحكاه أصحابنا عن أبي حنيفة م أجمعين قال الشعبي : تكره القراءة في ثلاثة مواضع : في الحمامات والحشوش وبيوت الرحى وهي تدور وعن أبي ميسرة قال : لا يذكر الله إلا في مكان طيب وأما القراءة في الطريق فالمختار أنها جائزة غير مكروهة إذا لم يلته للنعاس صاحبها فإن النهى عنها كرهت كما كره النبي صلى الله عليه و سلم القراءة الناعس مخافة من الخلط وروى أبو الدرداء أنه كان يقرأ في الطريق وروى عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه أذن فيها قال ابن أبي داود : حدثني أبو الربيع قال : أخبرنا ابن وهب قال : سألت مالكا عن الرجل يصلي من آخر الليل فيخرج إلى المسجد وقد بقي من السورة التي كان يقرأ فيها شئ قال ما أعلم القراءة تكون في الطريق وكره ذلك وهذا إسناد صحيح عن مالك رحمه الله ( فصل ) يستحب للقارئ في غير الصلاة أن يستقبل القبلة فقد جاء في الحديث [ خير المجالس ما استقبل به القبلة ] ويجلس متخشعا بسكينة ووقار مطرقا رأسه ويكون جلوسه وحده في تحسين أدبه وخضوعه كجلوسه بين يدي معلمه فهذا هو الأكمل ولو قرأ قائما أو مضطجعا أو في فراشه أو على غير ذلك من الأحوال جاز وله أجر ولكن دون الأول قال الله عز و جل { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض } وثبت في الصحيح عن عائشة ا قالت [ كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتكئ في حجري وأنا حائض ويقرأ القرآن ] رواه البخاري و مسلم وفي رواية [ يقرأ القرآن ورأسه في حجري ] وعن أبي موسى الأشعري قال : إني أقرأ القرآن في صلاتي وأقرأ على فراشي وعن عائشة ا قالت : إني لا أقرأ حزبي وأنا مضطجعة على السرير ( فصل ) فإن أراد الشروع في القراءة استعاذ فقال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا قال الجمهور من العلماء وقال بعض العلماء : يتعوذ بعد القراءة لقوله تعالى { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } وتقدير الآية عند الجمهور : إذا أردت القراءة فاستعذ ثم صيغة التعوذ كما ذكرناه وكان جماعة من السلف يقولون أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ولا بأس بهذا ولكن الإختيار هو الأول ثم إن التعوذ مستحب وليس بواجب وهو مستحب لكل قارئ سواء كان في الصلاة أو في غيرها ويستحب في الصلاة في كل ركعة على الصحيح من الوجهين عند أصحابنا وعلى الوجه الثاني إنما يستحب في الركعة الأولى فإن تركه في الأولى أتى به في الثانية ويستحب التعوذ في التكبيرة الأولى في صلاة الجنازة على أصح الوجهين قال : وينبغي أن يحافظ على قراءة بسم الله الرحمان الرحيم في أول كل سورة سوى براءة فإن أكثر العلماء قالوا إنها آية حيث تكتب في المصحف وقد كتبت في أوائل السور سوى براءة فإذا قرأها كان متيقنا قراءة الختمة أو السورة فإذا أخل بالبسملة كان تاركا لبعض القرآن عند الأكثرين فإذا كانت القراءة في وظيفة عليها جعل كالأسباع والأجراء التي عليها أوقاف وأرزاق كان الإعتناء بالبسملة أكثر لتيقن قراءة الختمة فإنه أذا تركها لم يستحق شيئا من الوقف عند من يقول البسملة آية من أول السورة وهذه دقيقة يتأطد الإعتناء بها وإشاعتها ( فصل ) فإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبير عند القراءة و والدلائل عليه أكثر من أن تحصر وأشهر وأظهر من أن تذكر فهو المقصود المطلوب وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب قال الله عز و جل { أفلا يتدبرون القرآن } وقال تعالى { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته } والأحاديث فيه كثيرة وأقاويل السلف فيه مشهورة وقد بات جماعة من السلف يتلون آيه واحدة يتدبرونها ويرددونها إلى الصبح وقد صعق جماعة من السلف عند القراءة ومات جماعات حال القراءة وروينا عن بهز بن حكيم أن زرارا بن أوفى التابعي الجليل أمهم في صلاة الفجر فقرأ حتى بلغ { فإذا نقر في الناقور * فذلك يومئذ يوم عسير } خر ميتا قال بهز : وكنت فيمن حمله وكان احمد بن أبي الحواري وهو ريحانة الشام كما قال أبو القاسم الجنيد رحمه الله إذا قرئ عنده القرآن يصيح ويصعق قال ابن أبي داود : وكان القاسم بن عثمان الجوني رحمه الله ينكر على ابن الحواري وكان الجوني فاضلا من محدثي أهل دمشق تقدم في الفضل على ابن أبي الحواري قال : وكذلك أنكره أبو الجوزاء و قيس بن جبير وغيرهم قلت والصواب : عدم الإنكار غلا على من اعترف أنه يفعله تصنعا والله أعلم وقال السيد الجليل ذو المواهب والمعارف إبراهيم الخواص رضي الله تعالى عنه : دواء القلب خمسة أشياء : قراءة القرآن بالدبر وخلاء البطن وقيام الليل والتضرع عند السحر ومجالسة الصالحين ( فصل : في استحباب ترديد الآية للتدبر ) وقد قدمنا في الفصل قبله الحث على التدبر وبيان موقعه وتأثر السلف وروينا عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال [ قام النبي صلى الله عليه و سلم بآية يرددها حتى أصبح والآية { إن تعذبهم فإنهم عبادك } الآية ] رواه النسائي و ابن ماجه وعن تميم الداري رضي الله تعالى عنه أنه كرر هذه الآية حتى أصبح { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات } الآية وعن عبادة بن حمزة قال : دخلت على أسماء ا وهي تقرأ { فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم } فوقفت عندها فجعت تعيدها وتدعو فطال علي ذلك فذهبت إلى السوق فقضيت حاجتي ثم رجعت وهي تعيدها وتدعو ورويت هذه القصة عن عائشة رضي الله تعالى عنها وردد ابن مسعود { رب زدني علما } وردد سعيد بن جبير { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } وردد أيضا { فسوف يعلمون * إذ الأغلال في أعناقهم } الآية وردد أيضا { ما غرك بربك الكريم } وكان الضحاك إذا تلا قوله تعالى { لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل } رددها إلى السحر ( فصل ) في البكاء عند قراءة القرآن قد تقدم في الفصلين المتقدمين بيان ما يحمل البكاء في حال القراءة وهو صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين قال الله تعالى { ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا } وقد وردت فيه أحاديث كثيرة وآثار السلف فمن ذلك عن النبي صلى الله عليه و سلم [ اقرؤوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا ] وعن عمر بن الخطاب : أنه صلى بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته وفي رواية : أنه كان في صلاة العشاء فتدل على تكريرة منه وفي رواية : أنه بكى حتى سمعوا بكاءه من وراء الصفوف وعن أبي رجاء قال : رأيت ابن عباس وتحت عينيه مثل الشراك البالي من الدموع وعن أبي صالح قال : قدم ناس من أهل اليمن على أبي بكر الصديق فجعلوا يقرؤون ويبكون فقال أبو بكر الصديق : هكذا كنا وعن هشام قال : ربما سمعت بكاء محمد بن سيرين في الليل وهو في الصلاة والآثار في هذا كثيرة لا يمكن حصرها وفيما أشرنا إليه ونبهنا عليه كفاية والله أعلم قال الإمام أبو حامد الغزالي : البكاء مستحب مع القراءة وعنها وطريقه في تحصيله أن يحضر قلبه الحزن بأن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود ثم يتأمل تقصيره في ذلك فإن لم يحضره حزن وبكاء يحضر الخواص فليبك على فقد ذلك فإنه من أعظم المصائب ( فصل ) وينبغي أن يرتل قراءته وقد اتفق العلماء م على استحباب الترتيل قال الله تعالى { ورتل القرآن ترتيلا } وثبت عن أم سلمة ا [ نعتت قراءة رسول الله صلى الله عليه و سلم قراءة مفسرة حرفا حرفا ] رواه أبو داود و النسائي و الترمذي قال الترمذي حديث حسن صحيح وعن معاوية ابن قرة عن عبد الله بن مغفل قال [ رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم فتح مكة على ناقته يقرأ سورة الفتح يرجع في قراءته ] رواه البخاري و مسلم وعن ابن عباس ما قال : لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله وعن مجاهد أنه سئل عن رجلين قرأ أحدهما البقرة وآل عمران والآخر البقرة وحدها وزمنهما وركوعهما وسجودهما وجلوسهما واحد سواء ؟ فقال : الذي قرأ البقرة وحدها أفضل وقد نهي عن الإفراط في الإسراع ويسمى الهذرمة فثبت عن عبد الله بن مسعود أن رجلا قال له : إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة فقال عبد الله بن مسعود : [ هكذا هكذا الشعر إن أقواما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع ] رواه البخاري و مسلم وهذا لفظ مسلم في إحدى رواياته قال العلماء : والترتيل مستحب للتدبير ولغيره قالوا : يستحب الترتيل للعجمي الذي لا يفهم معناه لأن ذلك أقرب إلى التوقير والإحترام وأشد تأثيرا في القلب ( فصل ) ويستحب إذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله من الشر ومن العذاب أو يقول : اللهم إني أسألك العافية أو أسألك المعافاة من كل مكروه أو نحو ذلك وإذا مر بآية تنزيه لله تعالى نزه فقال : سبحانه وتعالى أو تبارك وتعالى أو جلت عظمة ربنا فقد صح عن حذيفة بن اليمان ما قال : [ صليت مع النبي صلى الله عليه و سلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها ثم افتتح النساء فقراها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ ترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ ] رواه مسلم في صحيحه وكانت سورة النساء في ذلك الوقت مقدمة على آل عمران قال أصحابنا رحمهم الله تعالى : ويستحب هذا السؤال والاستعاذة والتسبيح لكل قارئ سواء كان في الصلاة أو خارجا منها قالوا : ويستحب ذلك في صلاة الإمام والمنفرد والمأموم لأنه دعاء فاستووا فيه كالتأمين عقب الفاتحة وهذا الذي ذكرناه من استحباب السؤال والاستعاذة هو مذهب الشافعي وجماهير العلماء رحمهم الله قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : ولا يستحب ذلك بل يكره في الصلاة والصواب قول الجماهير لما قدمناه ( فصل ) ومما يعتنى به ويتأكد الأمر به احترام القرآن من أمور قد يتساهل فيها بعض الغافلين القارئين مجتمعين فمن ذلك اجتناب الضحك واللغط والحديث في خلال القراءة إلا كلاما يضطر إليه وليمتثل قول الله تعالى { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } وليقتد بما رواه ابن أبي داود عن ابن عمر ما أنه كان إذا قرأ القرآن لا يتكلم حتى يفرغ منه ذكره في كتاب التفسير في قوله تعالى { نساؤكم حرث لكم } ومن ذلك العبث باليد وغيرها فإنه يناجي ربه سبحانه وتعالى فلا يعبث بين يديه ومن ذلك النظر إلى ما يلهي ويبدد الذهن وأقبح من هذا كله النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه كالأمرد وغيره فإن النظر إلى الأمرد الحسن من غير حاجة حرام سواء كان بشهوة أو بغيرها سواء أمن الفتنة أو لم أمنها هذا هو المذهب الصحيح المختار عند العلماء وقد نص على تحريمه الإمام الشافعي ومن لا يحصى من العلماء ودليله قوله تعالى { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } ولأنه في معنى المرأة بل ربما كان بعضهم أو كثير منهم أحسن من كثير من النساء ويتمكن من أسباب الريبة فيه وتسهل من طرق الشر في حقه ما لا تسهل في حق المرأة في حق المرأة فكان تحريمه أولى وأقاويل السلف في التنفير منهم أكثر من أن تحصى وقد سموهم الأنتان لكونهم مستقذرين شرعا وأما النظر إليه في حال البيع والشراء والأخذ والإعطاء والتطبب والتعليم ونحوها من مواضع الحاجة فجائز للضرورة لكن يقتصر الناظر على قدر الحاجة ولا يديم النظر من غير ضرورة وكذا المعلم إنما يباح له النظر الذي يحتاج إليه ويحرم عليهم كلهم في كل الأحوال النظرة بشهوة ولا يختص هذا بالأمرد بل ويحرم على كل مكلف النظر بشهوة إلى كل أحد رجلا كان أو امرأة محرما كانت المرأة أو غيرها إلا الزوجة أو المملوكة التي يملك الاستمتاع بها حتى قال أصحابنا : يحرم النظر بشهوة إلى محارمه كأخته وأمه والله أعلم وعلى الحاضرين مجلس القراءة إذا رأوا شيئا من هذه المنكرات المذكورة أو غيرها أن ينهوا عنه حسب الإمكان باليد لمن قدر وباللسان لمن عجز عن اليد قدر على اللسان وإلا فلينكر بقلبه والله أعلم ( فصل ) لا تجوز قراءة القرآن بالعحمية سواء أحسن العربية أو لم يحسنها سواء كان في الصلاة أم في عيرها فإن بها في الصلاة لم تصح صلاتة هذا مذهبنا ومذهب مالك و أحمد و داود و أبو بكر بن المنذر قال أبو حنيفة : يجوز ذلك لمن لم يحسن العربية ولا يجوز لمن يحسنها ( فصل ) وتجوز قراءة القرآن بالقراآت السبع المجمع عليها ولا يجوز بغير السبع ولا بالروايات الشاذة المنقولة عن القراء السبعة وسيأتي في الباب السابع إن شاء الله تعالى بيان اتفاق الفقهاء على استتابة من أقرأ الشواذ أو قرأبها وقال أصحبنا وغيرهم : لو قرأ بالشواذ في الصلاة بطلت صلاته إن كان عالما وإن كان جاملا لم تبطل ولم تحسب له تلك القراءة وقد نقل الإمان أبو عمر بن عبد البر الحافظ إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ وأنه لا يصلى خلف من يقرأ بها قال العلماء : من قرأ الشاذ إن كان جاهلا به أو بتحريمه عرف بذلك فإن عاد إليه أو كان عالما به عزز تعزيرا بليغا إلى أن ينتهي عن ذلك ويجت على كل متمكن من الانكار عليه ومنعه الانكار والمنع ( فصل ) إذا ابتدأ بقرأءة أحد القراو فينبغي أن يستمر على القراءة بها ما دام الكلام كرنب فإذا انقضى ارتباطه فله أن يقرأ بقراءة أحد من السبعة والأولى دوامه على الأولى في هذا المجلس ( فصل ) قال العلماء : الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف فيقرأ الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران ثم ما بعدها على الترتيب وسواء قرأ في الصلاة أو في غيرها حتى قال بعض أصحابنا : إذا قرأ في الركعة الأولى سورة قل أعوذ برب الناس يقرأفي الثانية بعد الفاتحة من البقرة قال بعض أصحابنا : ويستحب إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها التي تليها ودليل هذا أن ترتيب المصحف إنما جعل هكذا الحكمة فينبغي أن يحافظ عليها إلا فيما ورد المشرع باستثنائه كصلاة الصبح يوم الجمعة يقرأ في الأولى سورة السجدة وفي الثانية هل أتى على الانسان وصلاة العيد في الأولى قاف وفي الثانية اقتربت الساعة وركعتي سنة الفجر في الأولى قل يا أيها الكافرون وفي الثانية قل هو الله أحد وركعات الوتر في الأولى سبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية قل يا أيها الكافرون وفي الثالث قل هو الله أحد المعوذتين ولو خالف الموالاة فقرأ سورة لا تلي الأولى أو خالف الترتيب فقرأ سورة ثم قرأ سورة قبلها جاز فقد جاء بذلك آثاركثيرة وقد قرأعمر بن الخطاب في الركعة الأولى من الصبح بالكهف وفي الثانية بيوسف وقد كره جماعة مخالفة ترتيب المصحف وروى ابن أبي داود عن الحسن : أنه كان يكره أن يقرأالقرآن إلا على تأليفه في المصحف وباسناده الصحيح عن عبد الله بن مسعود أنه قيل له : إن فلانا يقرأ القرآن منكوسا ؟ فقال ذلك منكوس القلب وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فممنوع منعا متأكدا فإنه يذهب بعض ضروب الاعجاز ويزيل حكمة ترتيب الآيات وقد روى ابن أبي داود عن ابراهيم النخعي الإمام التابعي الجليل و الامام مالك بن أنس أنهمات كرها ذلك وان مالكا كان يعيبه ويقول هذا عظيم وأما بعليم الصبيان من آخر المصحف إلاى أوله فحسن ليس هذا من هذا الباب فإن ذلك قراءة متفاضلة في أيام متعددة مع ما فيه من تسهيل الحفظ عليهم والله أعلم ( فصل ) قراءة القرآن من المصحف أفضل من القراءة عن ظهر القلب لأن النظر في المصحف عبادة مطلوبة فتجتمع القراءة والنظر هكذا قال القاضي حسين من اصحابنا و أبو حامد الغزالي وجمعات من السلف ونقل الغزالي في الاحياء ان كثيرين من الصحابة م كانوا يقرءون من المصحف وبكرهون أن يخرج يوم ولم ينظروا في المصحف وروى ابن أبي داود القراءة في المصحف عن كثيرين من السلف ولم أر فيه خلافا ولو قيل إنه يختلف باختلاف الأشخاص فيختار القراءة في المصحف لمن استوى خشوعه وتدبيره في حالتي القراءة في المصحف وعن ظهرالقلب ويختار القراءة عن ظهر القلب لمن لم يكمل بذلك خشوعه ويزيد على خشوعه وتدبية لو قرأمن المصحف لكان هذا قولا حسنا والظاهر أ كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفصيل ( فصل ) في استحباب قراءة الجماعة مجتمعين وفضل القايئين من الجماعة والسامعين وبيان فضلة من جمعهم عليها وحرضهم وندبهم إليها أعلم أن قراءة الجماعة مجتمعين مستحبة بالدلائل الظاهرة وأفعال السلف والخلف المتظاهر فقد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم من [ رواية أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ما انه قا ل ما من قوم يذكرون الله إلا حفت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده ] قال الترمذي : حديث حسن صحيح وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ] رواه مسلم و أبوداود باسناد صحيح على شرط البخاري و مسلم وعن معاوية [ أن النبي صلى الله عليه و سلم خرج على حلقة من أصحابه فقال ما سجلكم ؟ قالوا جلسنا نذكر الله تعالى ونحمده لما هدانا للاسلام ومن علينا به فقا ل : أتاني جبريل عليه السلام فاخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة ] رواه الترمذي و النسائي وقال الترمذي : حديث حسن صحيح والأحاديث في هذا كثيرة وروى الدارمي باسناده عن ابن عباس ما قال من أستمع إلى آية من كتاب الله كانت له نورا وروى ابن أبي داود : أن أبا الدرداء كان يدرس القرآن معه نفر يقرءون جميعا وروى ابن أبي داود فعل الدراسة مجتمعين عن جماعات من أفاضل السلف والخلف وقضاة المتقدمين وعن حيان بن عطية و الأوزاعي أنهما قالا : أول من أحدث الدراسة في مسجد دمشق هشام بن اسمعيل في قدمته على عبد الملك وأما ما روى ابن أبي داود عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب : أنه أنكر هذه الدراسة وقال ما رأيت ولا سمعت وقد أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عنه : يعني ما رأيت أحدأ فعلها وعن وهب قال : قلت لمالك أرأيت القوم يجتمعون فيقرءون جميعا سورة واحدة حتى يختموها ؟ فأنكر ذلك وعابه وقا لليس هكذا تضيع الناس إنما كان يقرأ الرجل على الآخر يعرضة فهذا الانكار منهما مخالف لما عليه السلف والخلف ولما يقتضية الدليل فهو متروك والاعتماد على ما تقدم من استحابها لكن القراءة في حال الاجتماع لها شروط قدمناها ينبغي أن يعتيى بها والله أعلم وأما فضيلة من يجمعهم على القراءة ففيها يصوص كثيرة كقوله صلى الله عليه و سلم [ الدال على الخير كفاعله ] قوله صلى الله عليه و سلم [ لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم ] والأحاديث فيه كثير مشهورة وقد قال الله تعالى { وتعاونوا على البر والتقوى } ولا شك في عظم أجر الساعي في ذلك (1/37) الباب السادس فصل : في الادارة بالقرآن وهو أن يجتمع جماعة يقرأ بعضهم عشرا أو جزءااو غير ذلك ثم يسكت ويقرأ الآخر من حيث انتهى األأول ثم يقرأالآخر وهذا جائز حسن وقد سئل مالك رحمه الله تعالى عنه فقال لا بأس به فصل : في رفع الصوت بالقراءة هذا فصل مهم ينبغي أن يعتننى به أعلم أنه جاء أحاديث كثيرة في الصحيح وغيره دالة على استجاب رفع الصوا بالقراءة وجاءت آثار دالة تعللا استحباب الاخفاء وخفض الصوت زسنذكر منها طرفا يسسرا إشارة إللا أصاها إن شاء الله تعلى وقال الامام أبو حامد الغزالي وغيره من العلماء : وطريق الجمع بين الأحاديث والآثار المختلفة في هذا أن الاسرار أبعد من الرباء فهو أفضل في حق من يخاف ذلك فإن لم يخف الربا فالجهر ورفع الصوت أفضل لان العمل فيه أكثر ولآن فائده تتعدى إلى غيره والمتعدي أفضل من اللازم ولأنه يوقظ قلب القارىء ويجمع همه إلى الفكر فيه ويصرف سمعه إليه ويطرد النوم ويزيد في النشاط ويوقظ غيره من نائم وغافل وينشطه قالوا : فمهما حضره شيء من هذه النيات فالجهر أفضل فإن اجتمعت هذه النيات تضاعف الأجر قال الغزالي : ولهذا قلنا القراءة في المصحف أفضل فهذا حكم المسألة وأما الآثار المنقولة فكثيرة وأنا أشير إللا أطراف من بعضها ثبت في الصحيح عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول [ ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به ] رواه البخاري ومسلم ومعنى أذن استمع وهو إشارة إلى الرضا والقبول وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله على الله عليه وسلم قا ل [ لقد اوتيت مزمارا من مزامير آل داود ] رواه البخاري و مسلم وفي رواية المسلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال له [ لقد رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة ] رواه مسلم من رواية بريد بن الخصيب وعن فضالة ابن عبيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لله أشد أذنا إلى الرجل حسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قنيته ] رواه ابن ماجه عن أبي موسى أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ أني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار ] رواه البخاري و مسلم وعن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ زينوا القرآن بأصواتكم ] رواه أبو داود و النسائي وغيرهما وروى ابن أبي داود عن علي : إذا سمع ضجة ناس في المسجد يقوءون القرآن فقال : طوبى لهؤلاء كانوا أحب الناس لرسول الله صلى الله عليه و سلم وفي إثبات الجهر أحاديث كثيرة وأما الآثار عن الصحابة والتابقين من أقوالهم وأفعالهم فأكثرمن أن تحصر وأشهر من أن تذكر وهذا كله فيمن لا يخاف رياء ولا إعجابا ولا نحوهما من القبائح ولا يؤذي جماععة يلبس عليهم صلاتهم ويخلطها عليهم وقد نقل عن جماعة السلف اختيار الاخفاء اخوفهم ممما ذكرناه فعن الأعمش قال دخلت على ابراهيم وهو يقرأبالمصحف فاستأذن عليه رجل عغطاه وقال لا يرى هذا أني أقرأكل ساعة وعن أبي العالية قال : كنت جالسا مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وBهم فقال رجل منهم قرأت الليلة كذا فقالو هذا حظك منه ويستدل اهؤلاء يحديث عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول [ الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة ] رواه أبو داود و الترمذي و النسائي قا ل الترمذي : حديث حسن قال : ومعناه أن الذي يسر بقراء القرآن أفضل من الذي يجهر بها لأن صدقة السر أفضل عند أهل العلم من صدهة العلانية قال : وإنما معنى هذا الحديث عند أهل العلم لكي يأمن الرجل من العجب لان الذي يسر بالعمل لايخاف عليه من العجب كما يخاف عليه من علانيته قلت : وكل هذا موافق لما تقدم تقريره في أول الفصل من التفصيل وأنه إن خاف بسبب الجهر شيئا مما يكره لم يجهر وإن لم يخف استحب الجهر فإن كانت القراءة من جماعة مجتمعين تأكد استحباب الجهر لما قدمناه ولما يحصل فيه من نفع غيرهم والله أعلم فصل : في استحباب تحسين الصوت بالقراءة أجمع العلماء م من السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار أئمة المسلمين على استحباب تحسين الصوت بالقرآن وأقوالهم وأفعالهم مشهورة نهاية الشهرة فيحن مستغنون عن نقل شيءمن أفرادها ودلائل هذا من حديث رسول الله صلى الله علية ويلم مستفيضة عند الخاصة والعامة كحديث [ زينوا القرآن باصواتكم ] وحديث [ لقد أوتي هذا مزمارا ] وحديث [ ما أذن الله ] وحديث [ لله أشد أذنا ] وقد تقدمت كلها في الفصل الصابق وتقدم في فضل الترتيل حديث عبد الله بن مغفل في ترجيع النبي صلى الله عليه و سلم القراءة وكحديث سعد بن أبي وقاص وحديث أمامة ماأن النبي صاى الله عليه وسلم قال [ من لم يتغن بالقرآن فليس منا ] رواه أبو داود باسنادين جيدين وفي إسناد سعد اختلاف لا يضر قال جمهور العلماء : معنى لم يتغن لم يحسن صوته وحديث البراء قال [ سمعت رسول الله قرأ في العشاء بالتين والزيتون فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه ] رواه البخاري و مسلم قال العلماء رحمهم الله : فيستحب تحسيت الصوت بالقراءة وترتيبها ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط فإن أفرط حتى زاد حرفا لو أخعاه فهو حرام وأما القراءة بالألحان فقد قال الشافعي رحمه الله في موضع : أكرهها قال أصحابنا : ليست على قولين بل فيه تفصيل إن أفرط في التمطيط فجاوز فهو الذي لم يكرهه وقا لأقضى القضاة الماوردي في كتابه الحاوي : القراءة بالألحان الموضوعة ان أخرجت لفظ القرآن عن صيغته بإدخال حركات فيه أو إخراج حركات منه أو قصر ممدود أو مد مقصور أو تمطيط يخفي به بعض اللفغظ ويتلبس المعني فهو حرام يفسق به القارىء ويأثم به المستمع لأنه عدل به عن نهجه القويم إلى الاعوجاج والله تعالى يقول { قرآنا عربيا غير ذي عوج } قال وإن لم يخرجه اللحن عن لفظه وقراءته على ترتيله كان مباحا لأنه زاد عللا ألحانه في تحسينه هذا كلام أقضى القضاة وهذا القسم الأول من القراءة بالالحان المحرمة مصيتة ابتلي بها بعض الجهاة الطغام الغشمة الذين يقرءون على الجنائز وبعض المحافل وهذه بدعة محرمة ظاهرة يأثم كل مستمع لها كما قالة أقضى القضاه الماوردي وياثم كل قادر على إزالتها أو على النهي عنها إذا لم يفعل ذلك وقد بذلت فيها بعض قدرتي وأرجو من فضل الله الكريم أن يوفق لا زالتها من هو أهل لذلك وأن يجعله في عافية قال الشافعي في مختصر المزني : ويحسن صوته بأي وجه كان قال وأحب ما يقرأ حدرا ويحزينا قال أهل اللغة : يقا ل حدوث بالقراءة إذا أدرجتها ولم يمططها ويقا لفلان يقرأ بالتحزين إذا رقق صوته وقد روى ابن أبي داود باسناده عن أبي هريرة أنه قرأ { إذا الشمس كورت } يحزنها شبه الرثاء وفي سنن أبي داود قيل لابن أبي مليكة : أرأيت إذا لم يكن حين الصوت ؟ فقال يحسنه ما استطاع فصل : في استحباب طلب القراءة الطيبة من حسن الصوت اعلم أن جماعات من السلف كانوا يطلبون من أصحاب القراءة بالأصوات الحسنة أن يقرءوا وهم يستمعن وهذا متفق على استحبابه وهو عادة الأخيار والمتعدين وعباد الله الصالحين وهو سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فقد صح عن عبد الله بن مسعود قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم [ أقرأ علي القران فقلت : يارسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل قال أني أحب ان اسمعه من غيري فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذا الآية { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } قال حسبك الآن فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان ] رواه البخاري ومسلم وروى الدارمي وغيره بأسانيدهم عن عمر بن الخطاب انه كان يقول لأبي موسى الأشعري ذكرنا ربنا فيقرأ عنده القرآن والآثار في هذا كثيرة معروفة وقد مات جماعات من الصالحين بسبب قراءة من سألوه القراءة والله أعلم وقد استحب العلماء أن يستفتح مجلس حديث النبي صلى الله عليه و سلم ويختم بقراءة قارىء حسن الصوت ما من تيسر القرآن ثم إنه ينبغي للقارىء في هذه المواطن ان يقرأ ما يليق بالمجلس ويناسبه وأن تكون قراءته في آيات الرجاء والخوف والمواعظ والتزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة والتأهيب لها وقصر الامل ومكارم الاخلاق فصل : ينبغي للقارىء إذا ابتدأ من وسط السورة أو وقف على غير آخرها ان يبتدىء من أول الكلام المرتبط بعضه ببعض وأن يقف على الكلام المرتبط ولا يتقيد بالاعشار والاجزاء فانها قد تكون في وسط الكلام المرتبط كالجزء الذي في قوله تعالى { وما أبرئ نفسي } وفي قوله تعالى { فما كان جواب قومه } وقوله تعالى { ومن يقنت منكن لله ورسوله } في قوله تعالى { وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء } وفي قوله تعالى { إليه يرد علم الساعة } وفي قوله تعالى { وبدا لهم سيئات } وفي قوله : { قال فما خطبكم أيها المرسلون } وكذلك الأحزاب كقوله تعالى وذكروا الله في أيام معدودات وقوله تعالى { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } فكل هذا وشبيهه ينبغي أن يبتدأ به ولا يوقف عله فانه متعلق بما قبله ولا يغترن بكثرهة الغافلين له من القراء الذين لا يراعون هذه الآداب ولا يفكرون في هذه المعاني وامتثل ما روى الحاكم أبو عبد الله باسناده عن السيد الجليل الفضيل بن عياض قال : لا تستوحشش طرق الهدى لقلة أهلها ولا يغترن بكثرة الهابكين ولا يضرك قلة السالكين ولهذا المعنى قالت العلماء : قراءه سورة قصيرة بكاملها أفضل من قراءة بعض سورة طويلة بقدر القصيرة فانه قد يخفى الارتباط على بعض الناس في بعض الاحوال وثد روى ابن أبي داود باسناده عن عبد الله بن أبي الهذيل التابعي المعروف قا ل : كانون يكيرهون أن يقرؤوا بعض الآية ويتركوا بعضها فصل : في أحوال تكره فيها الهراءة اعلم ان قراءة القرآن على الاطلاق إى في أحوال مخصوصة جاء الشرع باليهي عن القراءة فيها وأنا أذكر الآن ما حضرني منها مختصرة بحذف الادلة فانها مشهورة فتكره القراءة في حالة الركوع والسجود والتشهد وغبرها من أحوال الصلاة سوىالقيام وتكره القراءة بما زاد على الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهريبة اذا سمع قراءة الامام وتكره حالة القعود على الخلاء وفي حالة النعاس وكذا : اذك استعجم عليه القرآن وكذا في حالة الخطبة لمن يسمعها ولا بكره لمن لم يسمعها بل تستحب هذا هو المختار الصحيح وجاء عن طاوس كراهيتها وعن ابراهيم عدم الكراهة فيجوز أن يجمع بيه كلاميهما بما قانا كما ذكره اصحابنا ولا تكره القراءة في الطولف هذا مذهبنا وبه قا لأكثر العلماء وحكاه ابن المنذر عن عطاء ومجاهد وابن المبارك وأبي ثور وأصحاب الرأي وحكي عن الحسن البصري وعروة بن الزبير ومالك كراهتها في الطواف والصحيح الاول وقد تقدم بيان الاختلاف في القراءة في الحمام وفي الطريق وفيمن فيه نجس فصل : من البدع المنكرة في القراءة ما يفعله جهلة المصلين بالناس في التراويح من قراءة سورة الأنعام في الركعة الأخيرة في الليلة السابعة معتقدين بأنها مستحبة فيجمعون امورا منكرة منها اعتقادها مستحبة ومنها ايهام العوام ذلك ومنها بطويل الركعة الثانية على الأولى وانما السنة تطويل الأولى ومنها التطويل على المأمومين ومنها هذر مة القراءة ومن البدع المشابهة لهذا قراءة بعض جهلتهم في الصبح يوم الجمعة بسجدة غير سجدة ألم تنزيل قاصدا ذلك و‘نما السنة قراءة ألم تنزيل في الركعة الأولى وهل أتى في الثانية فصل : في مسائل غريبة تدعو الحاجة اليها منها أنه إذا كان يقرأ فعرض له ريح فينبغي ان يمسك عن القراءة حتى يتكامل خروجها ثم يعود الى القراءة كذا رواه ابن أبي داود وغيره عن عطاء وهو أدب حسن ومنها أنه اذا تثاءب أمسك عن القراءة حتة ينقضي التثاؤب ثم يقرأ قال مجاهد وهو حسن ويدل عليه ما ثبت عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه فان الشيطان يدهل ] رواه مسلم ومنها أنه إذا قرأ قول الله عز و جل { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله } { وقالت اليهود يد الله مغلولة } { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } ونحو ذلك من الآيات ينبغي أن يخفض بها صوته كذا كان ابراهيم النخعي يففعل ومنها ما رواه ابن أبي داود باسناد ضعيف عن الشعبي أنه قيل له : إذا قرأ الانسان { إن الله وملائكته يصلون على النبي } يصلي على النبي صلى الله عليه و سلم قا لنعم ومنها أنه يستحت له أن يقول ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قا ل [ من قرأ والتين والزينون فقال : أليس الله بأحكم الحاكمين فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ] رواه أبو داود و الترمذي باسناد ضعيف عن رجل عن أعرابي عن أبي هريرة قا ل الترمذي : هذا الحديث إنما يروى بهذا الاسناد عن الأعرابي عن أبي هريرة قا لولا يسمى وروى ابن ابي داود والترمذي [ ومن قرأ آخر لا أقسم بيوم القيامة أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى فليقل بلى ومن قرأ : فبأي آلاء ربكما تكذبان أو فبأي حديث بعده يؤمنون فليقل آمنت بالله ] وعن ابن عباس ما وابن الزبير وأبي موسى الأشعري وضي الله عنهم أنهم كانوا إذا قرأأحدهم سبح اسم ربك الأفلى قا ل : سبحان ربي الأعلى وعن عمر بن الخطاب أنه كان يقول فيها سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات وعن عبد اللة بن مسعود أنه صلى فقرأ : آخر سورة بني اسرائيل ثم قال : الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا وقد نص بعض أصحابناعلى أنه يستحب أن يقال في الصلاة ما قدمناه وفي حديث أبي هريرة في السور الثلاث وكذلك يستحب أن يقال باقي ما ذكرناه وما كان في معناه والله أعلم فصل : في قراءة يراد بها الكلام ذكر ابن أبي داود في هذا اختلافا وروي عن ابراهيم النخعي انه كان يكره أن يقا ل القران بشيء يعرض من أمر الدنيا وعن عمر ابن الخطاب انه قرأ : في صلاة المغرب بمكة والتين والزيتون ورفع صوته وقال وهذا البلد الأمسن وعن حكيم بضم الحاء ابن سعيد ان رجلا من المحكمية أتى عليا وهو في صلاة الصبح فقال [ لئن أشركت ليحبطن عملك ] فأجابه علي في الصلاه ( فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ) قال أصحابنا : إذا استأذن انسان على المصلي فقال المصلي : ( ادخلوها بسلام آمنين ) فان أراد التلاوة وأراد الاعلام تبطل صلاته وان أراد الاعلام ولم يحضره نية بطلت صلاته فصل : وإذا ورد على القارىء من فيه فضيلة من علم أو شرف أو سن مع صيانة او له حررمة بولاية او ولادة او غيرها فلا بأس بالقيام له على سبيل الاحترام والاكرام لا للرياء والاعظام بل ذلك مستحب وقد ثبت القيام للاكرام من فعل النبي صلى الله عليه و سلم وفعل أصحاله م بحضرته وبأمره ومن فعل التابعين ومن بعدهم من العلماء الصالحين وقد جمعت جزءا في القيام وذكرت فيه الأحاديث والآثار الواردة باستحبابه وبالنهي عنه وبينت ضعف الضعيف منها وصحة الصحيص والحراب عما يتوهم منه النهي وليس فيه نهي وأوضحت ذلك كله بحمد الله تعالى فمن تشكك في شيء من أحاديث فليطالعه يجدما يزول به شكه ان شاء الله تعالى فصل : إذا كان يقرأ ما شيأفمر على قول يستحب ان يقطع القراءة ويسلم عليهم ثم يرجع الى القراءة ولو أعاد التعوذ كان حسنا ولو كان يقرأ جالسا عمر عليه غيره فقد قا ل الامام ابو الحسن الواحدي : الأولى ترك السلام على القارىء لاشتغاله بالتلاوة قال : فان سلم عليه إنسان كفاه الرد بالاشارة قال : فان أراد الرد باللفظ رده ثم استأنف الاستعاذة وعاود التلاوة وهذا الذي قاله ضعيف والظاهرلا وجوب الرد باللفظ فقد قا لأصحابنا : إذا سلم الداخل يوم الجمعة في حال الخطبة وقلنا الانصات سننة وجب له رد السلام على أصح الوجهين فاذا قالوا هذا في حال الخطبة مع الاختلاف في وجوب الايصات وتحريم الكلام ففي حال القراءة التي لا يحرم الكلام فيها بالاجماع اولى مع ان رد السلام واجب بالجملة والله أعلم وأما اذا عطس في حال القراءة فانه يستحب ان يقول : الحمد لله وكذا لو كان في الصلاة ولو عطس غيره وهو يقرأ في غير الصلاة وقال الحمد لله يستحب للقارىء ان يشمته فيقول : يرحمك الله ولو سمع المؤذن فطع القراءة وأجابه بمثابعته في ألفاظ الأذان والاقامة ثم يعود الى قراءته وهذا متفق عليه عند أصحابنا واما إذا طلبت منه حاجة في حال القراءة وأمكنه جواب السائل بالاشارة المفهمة وعلم أنه لا ينكسر قلبه ولا حصل عليه شيء من الأذى للأنس الذي بينهما ونحوه فالأولى ان يجيبه بالاشارة ولا يقطع القراءة فان قطعها جاز والله أعلم فصل : في أحكام نفيسة ببعلق بالقراءة في الصلاة أبالغ في اختصارها فانها مشهورة في كتب الفقه منها انه يجب القراءةفي الصلاة المفروضة باجماع العلماء ثم قا ل مالك و الشافعي و أحمد وجماهير العلماء : تتعين قراءة الفاتحة في كل ركعة وقال أبو حنيفة وجماعة : لا تتفين الفاتحة أبدا قال : ولا تجب قراءة الفاتحة في الركعتين الاخريرتين والصواب الأول فقد تظاهرت عليها الادلة من السنة ويكفي من ذلك قوله صلى الله عليه و سلم في الحديث الصحيح [ ولا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن ] وأجمعوا على استحباب قراء السورة بعد الفاتحة في ركعتي الصبح والاولتين من باقي الصلوات واختلفوا في استحبابها في الثالثة والرابعة وللشافعي فيها قولان : الجديد انها لا تستحب والقدم انها تستحب قال أصحابنا : وإذا قلنا إنها تستحب والقديم انها تستحب قال أصحابنا : وإذا قلنا إنها تستحب فلا خلاف أنه يستحب أن يكون أقل من القراءة في الأولتين قالوا : وتكون القراءة في الثالثة والرابعة سواء وهل تطول الاولى على الثانية ؟ فيها وجهان : أصحهما عند جمهور أصحابنا ألأنها لا لاتطول والثاني وهو الصحيح عند المحققين أنها تطول وهو المختار للحديث الصحيح [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يطول في الأولى ما لا تطول في الثانية ] وفائده أن يدرك المتأخر الركعة الأولى والله أعلم قال الشافعي رحمه الله : وإذا أدرك المسبوق مع الامام الركعتين الأخيرتين من الظهر وغيرها ثم قام الى الاتيان بما بقي عله استحب أن يقرأ السورة قال الجماهير من أصحابنا : هذا على القولين وقا ل بعضهم : هذا على قوله يقرأالسورة في الأخيرتين أما على الآخر فلا والصواب الأول لئلا تخلو صلاته من سورة والله أعلم هذا حكم الامام والمنفرد أما المأموم فان كانت صلاته سرية وجبت عليه الفاتحة واستحب له السورة وان كانت جهرية فان كان يسمع قراءة الامام كره له قراءة السورة وفي وجوب الفاتحة قولان : أصحهما تجب والثاني لا تجب وان كان لا يسمع القراءة فالصحيح وجوب الفاتحة واستحباب السورة وقيل تحب ولا تستحب السورة والله أعلم وتجب قراءة الفاتحة في الركعة الاولى من صلاة الجنازة وأما قراءة الفاتحة في صلاة النافلة فلا بد منها واختلف أصحابنا في تسمستها فيها فقال القفال تسمى واجببة وقال صاحبه القاضي حيين تسمى شرطا وقال غيرها تسمى ركنا وهو الاظهر والله أعلم والعاجز عن العاتحه في هذا كله يأتي ببدلها فيقرأ بقدرها من غيرها من القرآن فان لم يحسن أتى بقدرها من الا ذكار كالتسبيح والتهليل ونحوهما فان لم يحسن شيئا وقف بقدر القراءة والله أعلم فصل : لا بأس بالجمع بين سورتين في ركعة واحدة فقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال : لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقرن بينهن فذكر عشرين سورة من المفصل كل سورتين في ركعة وقد قدمنا عن جماعة من السلف قراءة الختمة في ركعة واحدة فصل : أجمع المسلمون على استحباب الجهر بالقراءة في الصبح والجمعة والعيدين والاولتين من المغرب والعشاء وفي صلاة التراويح والوتر عقيبها وهذا مستحب للامام والمفرد بما ينفرد به منها وأما المأموم فلا يجهر بالاجماع ويسن الجهر في صلاة كسوف القمر ولا يجهرفي كسوف الشمس ويجهر في الاستقاء ولا يجهر في الجنازة إذا صليت بالنهار وكذا في اسيل على المذهب الصحيح المحتار ولا يجهر في نوفل النهار غير ما ذكرناه من العيد والاستقاء واختلف أصحابنا في نوافل اليل فالا ظهر انه لا يجهر والثاني أنه يجهر والثالث وهو الاصح وبه قطع القاضي حسين و البغوي يقرأ بين الجهر والاسرار ولو فاته صلاة بالليل فقضاها النهار أو بالنهار فقضاها بالليل فهل يعتبر في الجهر والاسرار وقت الفوات أن وقت القضاء ؟ فيه وجهان لأصحابنا أظهرهما الاعتبار بوقت القضاء ولو جهر في موضع الاسرار أو اسر في موضع الجهر فصلاته صحيصة ولكنه ارتكب المكروه ولا يسجد للسهو واعلم ان الاسرار في القراءة والتكبيرات وغيرهما من الأذكار هو أن يقوله بحيث يسمع نفيه ولا بد من نطقه بحيث يسمع نفيه اذا كان صحيح الصمع ولا عارض له فان لم يسمع نفسه لم تصح قراءته ولا غيرها من الاذكار بلا خلاف (1/58) الباب السادس فصل : قال أصحابنا : يستحب للامام في الصلاة الجهرية أن يسكت أربع سكتات في حال القيام إحداها أن يسكت بعد تكبيرة الإحرام ليقرأ دعاء التوجه وليحرم المأمومون والثانية عقيب الفاتحة سكتة لطيقة جدا بين آخر الفاتحة وبين آمين لئلا يتوهم أن آمين من الفاتحة والثالثة : بعد آمين سكتة طويلة بحيث يقرأ المأمومون الفاتحة والرابعة بعد الفراغ من السورة يفصل بها بين القراءة وتكبير الهوي إلى الركوع فصل يستحب لكل قارئ كان في الصلاة أو في غيرها إذا فرغ من الفاتحة أن يقول أمين والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة وقد قدمنا في الفصل قبله أنه يستحب أن يفصل بين آخر الفاتحة وآمين بسكتة لطيفة ومعناه اللهم استجب وقيل كذلك فليكن وقيل افعل وقيل معناه لا يقدر على هذا أحد سواك وقيل معناه لا تخيبت رجاءنا وقيل معناه اللهم أمنا بخير وقيل هو طابع لله على عباده يدفع به عنهم الآفات وقيل هي درجة في الجنه يستحقها قائلها وقيل هواسم من أمنؤ الله تعالى وأنكر المحققون والمجاهير هذا وقيل هو اسم عبراني غير معرب وقال أبو بكر الوراق : هو قوة للدعاء واستنزل للرحمة وقيل عير ذلك وفي آمين بالامالة مع المد حكاها الواحدي عن حمزة و الكسائي والرابعة بتشديد الميم مع المد حكاها الواحدي عن حمزة والكسائي والرابعة بتشديد الميم مع المد حكاها عن الحسن و الحسن بن الفضيل قال : ويحقق ذلك ما روي عن جعفر الصادق قا ل : معناه قاصدين نحوك وأنت أكرمم من أن تخيب قاصدا هذا كلام الواجدي وهذه الرابعة غريبة جدا فقد عدها أكثرأهل اللغة من لحن العوام وقال جماعة من أصحابنا : من قالها في الصلاة بطلت صلاته قال أهل العربية : حقها في العربية الوقت لايها بمنزلة الاصوات فإذا وصلها فتح النون لالتقاء الساكنين كما فتحت في أين وكيف فلم تكسر لثقل الكسرة بعد الياء فهذا مختصر مما يتعلق بلفظ آمين وقد بسطت القول فيها بالشواهد وزيادة الاقوال في كتاب { تهذيب الاسماء والغات } قال العلماء : ويستحب التأمين في الصلاة للامام والمأموم والنفرد ويجهر الامام والمنفرد بلفظ آمين في الصلاة الجهرية واختلفوا في جهر المأموم والصحيح أنه يجهر والثاني لا يجهر والثالث يجهر إن كان جمعا كثيرا وإلا فلا ويكون تأمين المأمون مع تأمين الامام ولا الضالين فقولوا آمين فمن وافق بامسنه تأمين الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وأما قوله قلى الله عليه وسلم في الصحيح [ إذا أمن الامام فأمنوا ] فمعناه إذا أراد اللتامسن قال أصحابنا : وليس في الصلاة موضع يستحب أن يقترن ننقول المأموم بقول الامام إلا في قوله آمين وأما في الأقوال الباقية فيتأخر قول المأموم فصل : في سجود التلاوة وهو مما يتأكد الاعتناء به فقد أجمع العلماء على الامر بسجود التلاوة واختلفوا في انه أمر استحباب ام إيجاب ؟ فقال الجماهير : ليس بواجب بل مستحب وهذا قول عمر بن نالخطاب وابن عباس و عمران بن حصين و مالك و الاوزاعي و الشافعي و أحمد و إسحق و أبي ثور و داود وغيرهم وقال أبو حنيفة رحمه الله : هو واجب واحتج بقوله تعالى { فما لهم لا يؤمنون * وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون } واحتج الجمهور بما صح عن عمر بن الخطاب [ انه قرأ على المنبر يوم الجمعة سورة النمل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجدالناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأبها حتى إذا جاء السجدة قال : ياأيها الناس إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه ولم يسجد عمر ] رواه البخاري وهذا الفعل والقول من عمر في هذا المجع دليل ظاهر وأما الجواب عن الآية التي احتج بها أبو حنيفة فزاهر لأن المراد ذمهم على ترك السجود تكذيبا كما قال تعالى بعده { بل الذين كفروا يكذبون } وثبت في الصحيحين عن زيد بن ثابت [ أنه قرأ على النبي صلى الله عليه و سلم والنجم فيم يسجد ] وثبت في الصحيحين [ أنه صلى الله عليه و سلم سجد في النجم ] فدل على أنه ليس بواجب فصل : في بيان عدد السجدات ومحلها أما عددها المختار الذي قاله الشافعي رحمه الله والجماهير أنها أربع عسر سجدة : الأعراف والرعد والنخل وسبحان ومريم وفي الحج سجدتان وفي العرقان والنمل وألم وحم السجدة والنجم وإذا السماء انشقت واقرأباسم ربك وأما سجدة ص فمستحبة فليست من عزائم السجود : أي متأكد أنه ثبت في حصيح البخاري عن ابن عباس ما قال [ ص ليست من عزائم السجود وقد رأيت النبي صلى الله علية وسلم سجدفيها ] هذا مذهب الشافعي ومن قال مثله وقال أبو حنيفة : هي أربع عشره أيضا لكن أسقط الثانية من الحج واثبت سجدة ص وحعلها من العزائم وعن أحمد روايتان : إحداهما كالشافعي والثانية معشرة زاد ص وهو قول أبي العباس بن شريح و أبي اسحق المروزي من أصحاب الشافعي ننوعن مالك روايتان : إحداهما كالشافعي وأشهرهما إحدى عشرة أسقط النجم واذا السماء انشقت واقرأ وهو قول قديم للشافعي والصحيح ما قدمناه والأحاديث الصحيحة تدل عليه وأما محلها فسجدة الاعراف في آخرها والرعد عقيب قوله عز و جل { بالغدو والآصال } والنحل { ويفعلون ما يؤمرون } وفي سبحان { ويزيدهم خشوعا } وفي مريم { خروا سجدا وبكيا } والاولى من سجدتي الحج { إن الله يفعل ما يشاء } والثانية { وافعلوا الخير لعلكم تفلحون } والفرقان { وزادهم نفورا } والنمل { رب العرش العظيم } وألم تنزيل { وهم لا يستكبرون } وحم { لا يسأمون } والنجم في آخرها ولا خلاف يعتد به في شيء من مواضعها إلا التي في حم فا ن العلماء أختلفوا فيها فذهب الشافعي وأصحابه إنها ما ذكرناه أنه عقيب يسأمون وهذا مذهب سعيد بن المسيب و محمد بن سرين و أبي وائل شقيق ابن سلمة و سفيان الثوري و أبي حنيفة ولأ أحمد و إسحاق بن راهويه وذهب آخر دون إلى أنها عقيت قوله تعلى { إن كنتم إياه تعبدون } حكاه بن المنذر عن عمر بن الخطاب و الحسن البصري وأصحاب عبدالله بن مسعود و ابراهيم النخعي وأبي صالح و طلعت بن مصرف و زبير بن الحرث و مالك بن أنس و ليث بن سعد وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي حكاه البغوي في التهذيب وأما قول أب الحسن علي بن سعيد العبد من اصحابنا في كتابه الكفاية في اختلاف الفقهاء عندنا أن سجدة النمل هي عند قوله تعلى { ويعلم ما تخفون وما تعلنون } قال : وهذا مذهب ألكثر الفقهاء وقال مالك : هي عند قوله تعالى { رب العرش العظيم } فهذا الذي نقله عن مذهبها ومذهب أكثر الفقهاء غير معروف ولا مقبول بل غلط ظاهر وهذه كتب أصحابنا مصرحة بانها عند قوله تعالى { رب العرش العظيم } فصل : حكم سجود التلاوة حكم صلاة النافلة في اشتراط الطهارة عن الحديث وعن النجاسة وفي استقباله القبلة وستر العورة فتحرم على من ببدنه أو ثوبه نجاسية غير مغفو عنها وعلى المحدث إلا إذا تيمم في موضع يجوز فيه التيمم وتحرم إلى غير القبيلة إلا في السفر حيث تجوز النافلة إلى غير القبيلة وهذا كله متفق عليه فصل : إذا قرأ سجدة ( ص ) فمن قال إنها من عزائم السجود قال يسجد سواء قرأها في الصلاة أو خارجها كسائر السجدات واما الشافعي وغيره ممن قا ل ليست من العزائم فقالو : إذا قرأها خارج الصلاة استخب له السجود لأن النبي صلى الله عليه و سلم سجد فيها كما قدمناه وان قرأها في الصلاة لم يسجد فان سجد وهو جاهل أو ناس لم تبطل صلاته ولكن يسجد للسهو وان كان عالما فالصحيح أنه تبطل صلاته أنه زاد في الطلاق ما ليس منها فبطلت كما لو سجدللشكر فانها تبطل صلاته بلا خلاف والثاني لا تبط ل لأن له تعلقا بالصلاة ولو سجد إمامه في ( ص ) لكونه يعتقدها من العزائم والماموم لا يعتقد فلا يتابعو بل يفارقه أو يستظره قائما وإذا انتطره هل يسجد للسهو ؟ فيه وجهان : أظهرهما أنه لا يسجد فصل : حكم سجود التلاوة حكم صلاة النافلة في اشتراط الطهارة عن الحديث وعن النجاسة وفي استقباله القبلة وستر العورة فتحرم على من ببدنه أو ثوبه نجاسة غير معفو عنها وعلة المحدث إلا إذا تيمم في موضع يجوز فيه التيمم وتحرم إلى غير القبلة ألا في السفر حيث تجوز النافلة إلى غير القبلة وهذا كله متفق عليه فصل : إذا قرأ سجدة ( ص ) فمن قال إنها من عزائم السجود قال يسجد سواء قرأها في الصلاة أو خارجها كسائر السجدات وأما الشافعي وغيره ممن قال ليست من العزائم فقالوا : إذا قرأها خارج الصلاة استحب له السجود لأن النبي صلى الله عليه و سلم سجد فيها كما قدمناه وان قرأها في الصلاة لم يسجد فان سجد وهو جافل أو ناس لم تبطل صلاته لأنه زاد في الصلاة ما ليس منها فبطلت كما لو سجد للشطر فتمخت نب ل صلاته بلا خلاف والثاني لا تبطل لأن له تعلقا بالصلاة ولو سجد إمامه في ( ص ) امونه يعتقدها من الزائم والمأموم لا يعتقد فلا يتابعه بل بفارقه أو ينتظره قائما وإذا انتظره هل يسجد للسهو ؟ فيه وجهان : أظهرهما أنه لا يسجد فصل : فيمن يسن له السجود اعلم أنه يسن للقارىء المطهر بالماء أو التراب حيث نجوز سواء كان في الصلاة أو خارجا منها ويسن للمستمع ويسن أيضا للسامع غير المستمع ولكن قال الشافعي : لا أؤكد في حقة كما أؤكد في حق المستمع هذا هو الصحيح وقا لإمام الحرمين من أصحابنا : لا يسجد السامع والمشهور الأول وسواء كان القارىء في الصلاة أو خارجا منها يسن للسامع والمستمع السجود وسواء سجدالقارىء أم لا هذا هو الصحيح المشهور عند أصحاب الشافعي لا سيجد المستمع لقراءة من في الصلاة وقال الصيدلاني من أصحاب الشافعي : لا يسن السجود إلا أن يسجد القارىء والصواب الأول ولا فرق بين أن يكون القارىء مسلما بالغا متطهرا رجلا وبين أن يكون كافرا أو صبيا أو محدثا أو امرأة هذا هو الصحيح عندنا وبه قال أبو حنيفة وقال بعض أصحابنا : لا يسجد لقراءة الكافر والصبي والمحدث والسكران وقا ل جماعة من السلف : لا يسجد لقراءة المرأة حكاه ابن المنذر عن قتادة و مالك و اسحق والصواب ما قدمناه فصل : وهو أن يقرأ آية او آيتين ثم يسجد حكى ابن المنذر عن الشعبي و الحسن و البصري و محمد ابن سرين و النخعي و أحمد و إسحاق أنهم كرهوا ذلك وعن أبي حنيفة و محمدبن الحسن و أبي ثور أنه لا بأس به وهذا مقتضى مذهبنا فصل : إذا كان مصليا منفردا سجد لقراءة نفسه فلو ترك سجود التلاوة وركع ثم أراد ان يسجد للتلاوة لم يجز فان فعل مع العلم بطلت صلاته وإن كان قد هوى لسجود التلاوى ثم بدا له ورجع إلى القيام جاز أما إذا أصغى المنفرد بالصلاة لقراءة قارىء في الصلاة أو غيرها فلا يجوز له أن يسجد ولو سجد مع العلم بطلت صلاته أما الصلي في جماعة فان كان إماما فهو كالمنفرد وإذا سجد الامام لتلاوة نفسه وجب على المأموم أن يسجد معه فان لم يفعل بطلت صلاته فان لم يسجد الامام لم يجز للمأموم السجود فان سجد بطلت صلاته ولكن يستحب أن يسجد إذا فرغ من الصلاة ولا يتأكد ولو سجد الامام ولم يعلم المأموم السجود حتى رفع الامام رأسه من السجود فهو معذور في تخلفه ولا يجوز أن يسجد ولو علم والامام بعد في السجود وجب السجود فلو هوى إلى السجود فرفع الامام رأسه وهو في القوي يرفع معه ولم يجز السجود فرفع الامام رأسه وهو في الهوى يرفع معه ولم يجز السجود وكذا الضعيف الذي هوى مع الامام إذا رفع الامام قبل بلوغ الضعيف إلى السجزد لسرعة الامام وبطء المأموم يرجع معه ولا يسجد وأما إن كان المصلي مأموما فلا يجوز أن يسجد لقراءة يفسه ولا لقراءة غير إمامه فان سجد بطلت صلاته وتكره له قراءة غير إمامه فصل : في وقت السجودللتلاوة قال العلماء : ينبغي أن يقع عقيب آية السجدة التي قرأها أو سمعها فان أخر ولم يطل الفصل سجد وإن طال فقد فات السجود فلا يقضى على الذهب الصحيح المشهور كما لا تقضى صلاة الكسوف وقال بعض أصحابنا : فيه قول ضعيف أنه يقضي كما تقضى السنن الراتبة كسنة ولازهر والنهار وغيرهما فأما إذا كان القارىء أو المستمع محدثا عند تلاوة السجدة فان تطهر عن قرب سجد وإن تأخرت طهارته حتى طال الفصل فالصحيح الختار الذي قطع به الأكثرون أنه لا يسجد وقيل يسجد وهو اختيار البغوي من أصحابنا كما يجيب المؤذن بعد الفراغ من الصلاة والاعتبار عي طول الفصل في هذا بالعرف على المختار والله أعلم فصل : إذا قرأ السجدات كلها أو سجدات منها في مجلس واحد سجد لكل سجدة بلا خلاف فان كرر الآية الواحدة في مجالس سجد لكل مرة بلاهلاف فغان كررها في المجلس الواحد نظر فان لم يسجد للمرة الأولى كفاه سجدة واحدة عن الجميع وان سججد للأولى ففيه ثلاثة أوجه : أصحها يسجد لكل مرة سجدة لتجديد السبب بعد توفية حكم الأول والثاني يكفيه سجدة الأولى غن الجميع وهو قول ابن سريج وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله قال حاصب العدة من أصحابنا : وعليه الفتوى واختاره الشيخ نصر المقدسي الزاهد من أصحابنا والثالث إن طال الضل سجد والا فتكفيه الأولى أما إذا كرر السجدة الواحدة في الصلاة فان كان في يركعة فهي كالمجلس الواحد فيكون فيه الأوجه الثلاثة وان كان في ركعتين فكالمجلس فيعيد السجود بلا خلاف فصل : إذا أقر السجدة وهو راكب على دابة في السفر سجد بالايماء هذا مذهبنا ومذهب مالك و أبي حنيفة و أبي يوسف و محمد و أحمد و زفر و داود وغيرهم وقا لبعض أصحاب أبي حنيفة : لا يسجد والصولب مذهب الجماهير وأما الراكب في الحضر فلا يجوز أن يسجد بالايماء فصل : إذا قرأ آية السجد في الصلاة قبل الفاتحة سجد بخلاف ما إذا قرأ في الركوع أو السجود فإنه لا يجوز ان يسجد لأن القيام محل القراءة ولو قرأ السجدة فهوى ليسجد فشك هل قرأ الفاتحة فإنه يسجد للتلاوة ثم يعود إلى القيام فيقرأ الفاتحة لأن سجود التلاوة لا يؤخر فصل : لو قرأ آية السجدة بالفارسية لا يسجد عندنا كما لو فسر آية سجدة وقال أبو حنيفة يسجد فصل : إذا سجد المستمع مع القارىء لايرتبط به ولا ينوي الاقتداء به وله الرفع من السجود قبله فصل : لا تكره قراءة آية السجدة للأمام عندنا سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية ويسجد إذا قرأها قال مالك يكره ذلك مطلقا وقال أبو حنيفة يكره في السرية دون الجهرية فصل : لا يكره عندنا سجود التلاوة في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها وبه قال الشعبي و الحسن و البصري و سالم ابن عبد الله و القاسم و عطاء 4عكرمة و أبو حنيفة وأصحاب الرأي و مالك في إحدى الروايتين وكرهت ذلك طائفة من العلماء منهم عبد الله بن عمر و سعيد بن السميب و مالك في الرواية الأخرى و إسحق بن راهويه و أبو ثور فصل : لا يقوم الركوع مقام سجدة التلاوة في حال الاختيار وهذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء السلف والخلف وقال أبو حنيفة رحمه الله : يقوم مقامه ودليل الجمهور القياس على سجود الصلاة وأما العاجز عن السجود فيومىء إليه كما يومىء لسجود الصلاة فصل : في صفة السجود أعلم أن الساجد للتلاوة له حالان : أحدهما أن يكون خارج الصلاة والثاني أن يكون فيها أما الأول فإذا أراد السجود نوى سجود التلاوة وكبر للاخرام ورفع يديه حذو منكبيه كما يفعل في تكبيرة الاحرام للصلاة ثم بكبر تكبيرة أخرى للهوي إلى السجود ولا يرفع فيها اليد وهذه التكبيرة الثانية مستحبة ليست بشرط كتكبيرة سجدة الصلاة وأما التكبيرة الأولى تكبيرة الاحرام ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا : أظهرها وهو قول الأكثرين منهم أنها ركن ولا يصح السجود إلا بها والثاني أنها مستحبة ولو تركت صح السجود وهذا قول الشيخ أبي محمدالجويني والثالث ليست مستحبة والله أعلم ثم إن كان الذي يريد السجود قائما كبر للاحرام في حال قيامه ثم يكبر للسجود في انحطاطه إلى السجود وإن كان جالسا فقد قفا لجماعات من أصحابنا : يستحب له أن يقوم فيكبر للاحرام قائما ثم يهوي للسجود كما بإذن كان في الابتداء قائما ودليل هذا القياس على الاحرام والسجودفي الصلاة وممن يص على هذا وجزم به من أئمة أصحابنا الشيخ أبو محمد الجويني والقاضي حسين وصاحباه صاحب التتمة والتهذيب والامام المحقق أبو القاسم الرافعي ومكاه إمام الحرمين عن والده الشيخ أبي محمد وحكاه إمام الحرمين عن والده الشيخ أبي محمد ثم أنكره وقا للم أر لهذا أصلا ولا ذكرا وهذا الذي قاله إمام الحرمين ظاهر فلم يثبت فيه شيء عن النبي صالى الله عليه وسلم ولا عمن يقتدي به من السلف ولاتعرض له الجمهور من أصحابنا والله أعلم ثم إذا سجد فينبغي أن يراعي آداب السجود في الهيئة والتسبيح أما الهيئة فينبغي أن يضع يديه حذو منكبيه على الأرض ويضم أصابعه وينشرها إلى جهة القبلة ويخرجها من كمه ويباشر المصلى بها ويجافي مرفقيه عن جنبيه ويرفع بطنه عن فخذيه إن كان رجلا فإن كانت امرأة أو خنثى لم يجاف ورفع الساجد أسافله على رأسه وسمكن جبهته وأنفه من المصلى ويطمئن في سجوده وأما التسبيح في السجود فقال أصحابنا يسبح بما يسبح به في سجود الصلاة فيقول ثلاث مرات سبحان ربيالأعلى ثم يقول اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجدوجهي للذي خلقه وصوره وشق مسعه وبصره بحوله وقوبه تبارك الله أحسن الخالقين ويقول : سبوح قدوس رب الملائكة والروح فهذا كله مما يقوله المصلي في سجود الصلاة قالوا : ويستحب أن يقول : الهم اكتب لي بها عندك أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع عني وزرا واقباها مني كما قبلتها من عبدك داود صلى الله عليه و سلم وهذا الدعاء خصيص بهذا السجود فينبغي كما أن يحافظ عليه وذكر الاستاذ إسماعيل الضرير في كتابه { التفسير } أن اختيار الشافعي في دعاء سجود التلاوة أن يقول ( سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) وهذاالنقل عن 4الشافعي غريب جدا وهو حسن فإن ظاهر القرآن يقتضي مدح قائله في السجود فيستحب أن يجمع بين هذه الأذكار كلها ويدعو بما يريد من أمور الآخره والدنيا وإن اقتصر على بعضها حصل أصل التسبيح ولو لم يسبح بشيء أصلا حصل السجود كسجود الصلاة ثم ‘ذا فرغ من التسبيح والدعاء رفع رأسه مكبرا وهل يفتقر إلى السلام فيه قولان منصوصان للشافعي مشهوران : أصحها عند جماهير أصحابه أنه يفتقر لافتقاره إلى الاحرام ويصير كصلاة الجنازة ويؤيد هذا ما رواه ابن أبي داود باسناده الصحيح عن عبد الله ابن مسعود أنه كان إذا قرأ السجدة سجدة ثم سلم والثاني لا يفتقر كسجود التلاوة في الصلاة ولأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه و سلم ذلك فعلة الأول هل يفتقر إلى التشهد ؟ فيه وجهان : أصحهما لا يفتقر كما لا يفتقر إلى القيام وبعض أصحابنا يجمع بين المسألتين وقول في التشهد والسلام ثلاثة أوجه : أحصها أنه لا بد من السلام دون التشهد والثاني لا يحتاج إلى واحد منها والثالث لا بد منهما وممن قال من السلف يسلم محمد بن سيرين و أبو عبد الرحمن السلمي و أبو الأحوص و أبو قلابة و إسحاق بن راهويه وممن قال لا يسلم الحسن البصري و سعيد بن جبير و ابراهيم النخعي و يحيي بن وثاب و أحمد وهذا كله في الحال الأول وهو السجود خارج الصلاة والحال الثاني أن يسجد للتلاوة في الصلاة فلا يكبر للاحرام ويستحب أن يكبر للسجود ولا يرفع يديه ويكبر للرفع من السجود هذا هو الصحيح المشهور الذي قاله الجمهور وقال أبو علي بن أبي هريرة من أصحابنا : لا يكبر للسجود ولا للرفع والمعروف الأول وأما الآداب في هيئة السجود والتسبيح فعلى ما تقدم في السجود خارج الصلاة إلا أنه إذا كان الساجد إماما فينبغي أن لا يطول التسبيح إلا أن يعلم من حال المأمومسن أنهم يؤثرون التطويل ثم إذا رفع من السجود قام ولا يجلس للاستراحة بلاخلاف وهذه مسألة غريبة قل من يص عليها وممن نص عليها القاضي حسين و البغوي و الرافعي هذا بخلاف سجود الصلاة فإن القول الصحيح البخاري وغيره استحباب جلسة للاستراحة عقيب السجدة الثانية من الركعة الأولى في كل الصلوات ومن الثالثة في الرباعيات ثم إذا رفع من سجدة التلاوة فلا بد من الانتصاب قائما والمستحب إذا انتصب أن يقرأ شيئا ثم يركع فإن انتصب ثم ركع من غير قراءة جاز فصل : في الأوقات المختارة للقراءة اعلم أن أفضل القراءة ما كان في الصلاة ومذهب الشافعي 4 وغيره أن تطويل القيام في الصلاة أفضل من تطويل السجود وغيره وأما القراءة في غير الصلاة فأفضلها قراءة الليل والنصف الأخير من الليل أفضل من النصف الأول والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة وأما القراءة في النهار فأفضلها بعد صلاة الصبح ولاكراهية في القراءة في وقت من الأوقات لمعنى فيه وأما ما رواه ابن أبي داود عن معاذ بن رفاعة عن مشايحة أنهم كرهوا القراءة بعد العصر وقالوا هي دراسة اليهود فغير مقبرل ولا أصل له ويختار من الأيام الجمعة والاثنين والخميس ويوم عرفة ومن الأعشار العشر الأخير من رمضان والعشر الأول من ذي الحجة ومن الشهور رمضان فصل : إذا أرتج على القارىء ولم يدر ما بعد الموضع الذي انتهى إليه فسأل عنه غيره ف ينبغي أن يتأدب بما جاء عن عبد الله بن مسعود و ابراهيم النخعي و بشير بن أبي مسعود م قالوا : إذا سأل أحدكم أخاه عن آية فليقرأما قبلها ثم يسكت ولا يقول كيف كذا وكذا فإن يلبس عليه فصل : إذا اراد أن يستدل بآية فله أن يقول : قال الله تعالى وله أن يقول : الله تعالى يقول كذا ولا كراهة في شيء من هذا هذا هو الصحيح المختار الذي عليه عمل السلف والخلف وروى ابن أبي داود عن مطرف بن عبد الله بن الشخير التابعي المشهور قال : لا تقولوا إن الله تعالى يقول ولكن قولوا إن الله تعالى قال وهذا الذي أنكره مطرف رحمه الله خلاف ما جاء به القرآن والسنة وفعلته الصحابة ومن بعدهم م فقد قال الله تعالى { والله يقول الحق وهو يهدي السبيل } وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال : [ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول الله سبحانه وتعالى { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } ] وفي صحيح البخاري في باب تفسير ( لن تنالوا البر جتى تنفقوا مما تحبون ) فقال أبو طلحة : يا رسول الله إن الله تعالى يقول { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } فهذا كلام أبي طلحة في حضرة النبي صلى الله عليه و سلم وفي الصحيح عن مسروق رحمه الله قال ( قلت لعائشة ا : ألم يقل الله تعالى { ولقد رآه بالأفق المبين } فقالت : أم تسمع أن الله تعالى يقول { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } أو لم تسمع أن الله تعالى يقول { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب } الآية ثم قالت : في هذا الحديث والله اغلى يقول { يا أيها الرسول بلغ } ثم قالت : والله تعلى يقول { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } نظائر هذا كلام السلف والخلف أكثر من أن تحصر والله أعلم فصل : في آداب الختم وما يتعلق به فيه مسائل : الأولى في وقته : قد تقدم أن الختم للقارئ وحده يستحب أن يكون في الصلاة وأنه قيل يستحب أن يكون في ركعتي سنة الفجر وركعتي سنة المغرب وفى ركعتي الفجرأفضل وأنه يستحب أن يختم ختمة في أول النهار في دور ويختم ختمة أخرى في آخر النهار في دورآخر وأما من يختم في غير الصلاة والجماعة الذين نختمون مجتمعين فيستحب أن تكون ختمتهم أول النهار أوفي أول الليل كما تقدم وأول النهار أفضل عند بعض العلماء المسألة الثانية : يسحب صيام يوم الختم إلا أن يصادف يوما نهى الشرع عن صيامه وقد روى ابن أبي داود باسناده الصحيح : أن طلحة بن مطرف و حبيب بن أبي ثابت و المسيب ابن رافع التابعيين الكوفيين م أجمعين كانوا يصبحون في اليوم الذي يختمون فيه القرآن صياما المسألة الثالثة : يستحب حضور مجلس ختم القرآن استحسابا متأكدا فقد ثبت في الصحيصين ( أن رسول الله صاى الله عليه وسلم أمر الحيض بالخروج يوم العيد ليشهدن الخير ودعوة المسلمين ) وروى الدرامي وابن أبي داود واسنادهما عن ابن عباس ما أنه كان يجعل رجلا يراقب رجلا يقرأ القرآن فاذا أراد أن يختم أعلم ابن عباس فيشهد ذلك وروى ابن أبي داود باسنادين صحيحين عن قتادة التابعي الجليل حاصب أنس قال : كان أنس بن كالك إذ ختم القرآن جمع أهله ودعا وروى بأسانيده الصحيحة عن الحكم بن عيينة التابعي الجليل قال أرسل إلى مجاهد وعتبة بن لبابة فقالا إنا أرسلنا إليك لأنا أردنا أن نختم القرآن والدعاء يستجاب عند ختم القرآن وفي بعض الروايات الصحيحة وأنه كان يقال : أن الرحمة تنزل عند خاتمة القرآن وروى باسناده الصحيح عن مجاهد قال : كانوا يجتمعون عند ختم القرآن يقولون تنزل الرحمة المسألة الرابعة : الدعاء مستحب عقيب الختم استحبابا متأكدا لما ذكرناه في المسألة التي قبلها وروى الدرامي باسناده عن عميد الأعرج قال : من قرأ القرآن ثم دعا أمن على دعائه أربعة آلاف ملك وينبغي أن يلح في الدعاء وأن يدعو بالأمور المهمة وأن يكثر في ذلك في صلاح المسلمين وصلاح سلطانهم وسائر ولاة أمورهم وقد روى الحاكم أبو عبد الله النيسابوري باسناده أن عبد الله بن المبارك كان إذا ختم القرآن كان أكثر دعائه للمسلمين والمؤمينن والمؤمنات وقد قال نحو ذلك غيره فيييختار الداقي الدعوات الجامعة كقوله : اللهم أصلح قلوبنا وأزل عيوبنا وتولنا بالحسنى وارزقنا طاعتك ما أبقينا اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسر وأعذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وأعذنا من عذا ب النار وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال اللهم إنا نسألك الهدى والتقوى والعفاف والغنى اللهم إنا نستودعك أدياننا وأبداننا وخواتيم أعمالنا وأنفسنا وأهالينا وأحبابنا وسائر المسلمين وجميع ما انعمت علينا وعفليهم من أمور الآخرة والدنيا اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة واجمع بيننا وبين احبابنا في دار كرامتك بفظلك ورحمتك اللهم اصلح ولاة السملمينن ووفقهم للعدل في رعاياهم والاحسان إليهم والشفقة عليههم والرفق بهم الاعتناء بمالصحهم وحببهم إلى الرعية وحبب الرعية إليهم ووفقهم لصراط المستقيم والعمل بوظائف دينك القويم اللهم الطف بعبدك سلطاننا ووفقه لمصالح الدنيا والآخرة وحببة ألى رعيته وحبب الرعية إليه ويقول باقي الدعوات الذكورة في جملة الولاة ويزيد اللهم ارحم يفسه وبلاده وصن أتباعه وأجناده وانصره على أعداء الدين وسائر المخالفين ووفقه لا زاغلة المنكرات وإظهار المحاسن وأنواع الخيرات وزد الاسلام بسببه ظهورا وأعزه ورعيته إعزارا باهرا اللهم أصلح أحوال المسلمين وأرخص أسعارهم وأمنهم في أوطانهم واقض ديونهم وعاف مرضاهم وانصر جيوشهم وسلم غيابهم وفك أسراهم وأشف صدورهم وأذهب غيظ قلوبهم وألف بينهم واجعل في قلوبهم الايمان والحكمة وثبتهم على ملة رسولك صلى الله عليه و سلم وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه وانصرهم على عدوك وعدوهم إله الحق واجعلنا منهم اللهم اجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين به ناهين عن المنكر مجتنبين له محافظين على حدودك قائمين على طاعتك متناصفين متناصحين اللهم صنهم في أقوالهم وأفعالهم وبارك لهم في جميع أحوالهم ويفتح دعاءه ويختمه بهوله الحمد لله رب العالمين حمدا يوافي نعمه ويكافىء مزيده اللهم صل ويلم على سيدنا محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم وبارك على محمد وعلى أل محمد كما بابركت على ابراهيم وعلى أل براهيم في العلمين إنك حميد مجيد المسألة الخامسة : يستحب غذا فرغ من الختمة أن يشرع في أخرى عقيب الختمة فقد استحبه السلف واحتجوا فيه بحديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال [ خير الأعمال الحل والرحلة قيل وما هما قال : افتتاح القرآن وختمه ] (1/75) الباب السابع : في آداب الناس كلهم مع القرآن ثبت في صحيح مسلم عن تميم الداري قال [ إن النبي صلى الله عليه و سلم قال : الدين النصيحة قلنا لمن ؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين و عامتهم ] قال العلماء رحمهم الله : النصيحة لكتاب الله تعالى هي الايمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام الخلق ولا يقدر على مثله الخلق بأسرهم ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته وتحسينها والخشوع عندها وإقامة حروفه في التلاوة والذنب عنه لتأويل المحرفين وتعرض الطاغين والتصديق بما فيه والوقوف مع أحكامه وتفهم علومه وأمثاله والاعتناء بمواعظه والتفكر في يعجائبه والعمل بمحكمه والتسليم بمتشابهه والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه ونشر علومه والدعاء اليه وإلى ما ذكرناه من نصيحته فصل : أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العزيز على الاطلاق وتنزيهه وصيانته وأجمعوا على من جحد منه حرفا مما أجمع عليه أو زاد حرفا لم يقرأ به أحد وهو عالم بذلك فهو كافر : قال الامام الحافظ أبو الفضل القاضي عياض رحمه الله : أعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشيئ منه أو سبهما أو جحد حرفا منه أو كذب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر أو أثبت ما نفاه أو نفي ما أثبته وهو عالم بذلك أو يشك في شيء من ذلك فهو كافر باجماع المسلمين وكلك إذا جحد التوراة والانجيل أو كتب الله المنزلة أو كفر بها أو سبها أو استخف بها فهو كافر قال : وهد أجمع المسلمون على أن القرآن المتلو في الاقطار المكتوب في الصحف الذي بأيدي المسلمين مما جمعة الدفتان من أول الحمد لله رب العالمين إلى آخر قل أعوذ برب الناس كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه و سلم وأن جميع ما فيه حق وأن من نقص منه حرفا قاصدا لذلك أو بدله بحرف آخر مكانه أو زاد فيه حرفا مما لم يشمل عليه المصحف الذي وقع فيه الاجماع وأجمع على أنه ليس بقرآن عامدا لكل هذا فهو كافر قال أبو عثمان بن الحذاء : جميع أهل التوحيد متفقون على أن الجهد بحرف من القرآن كفر وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة ابن شنبوذ المقرىء أحد أئمة المقرئين المتصدرين بها مع ابن مجاهد لقراءته وإقرأئه بشواذ من الحروف مما ليس في المصحف وعقدوا عليه للرجوع عنه والتوبة سجلا أشهدوا فيه على نفسه في مجلس الوزير أبي بن مقلة سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة وأفتى محمد بن أبي زيد فيمن قال الصبي : لعن الله معلمك وما علمك قال أردت سوء الأدب ولم أرد القرآن قال يؤدب القائل قال : وأما من لعن المصحف فانه يقيل هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله فصل : وحرم تفسيره بغير علم والكلام في معانيه لمن ليس من أهلها والأحاديث في ذلك كثيرة والاجماع منعقد عليه وأما تفسيره للعلماء فجائز حسن والاجماع منعقد عليه عمن كان أهلا للتعسير جامعا للادوات التي يعرف بها معناه وغلب على ظنه المراد فسره إن كان مما يدرك بالاجهاد كالمعاني والأحكام الجليلة والحقية والعموم و الخصوص و الاعراب وغير ذلك وإن كان مما لا يدرك بالاجتهاد كالأمور التي طريقها النقل وتفسر الألفاظ الغوية فلا يجوز الكلام فيه إلا بنقل صحيح من جهة المتمدين من أقله وأما من كان ليس من أهله لكونه غير جامع لأدوابه فحرام عليه التفسير لكن له أن ينقل التفسير عن المعتمدين من أهل ثم المفسرون برأيهم من غير دليل صحيح أقسام : منهم من يحتج بأنه على تصحيح منه وتقوية خاطره مع مع أنه لا يغلب على ظنه أن ذلك هو المراج بالآية وإنما يقصد الظهور على خصمه ومنهم من يقصد الدعاء إلى خير ويحتج بآية من غير وقوف على معانيها عند أهلها وهي مما لا يؤخذ إلا بالسماع من أهل العربية وأهل التفسير كبيان معنى اللفظ واعرابها وما فيها من الحذف والاختصار والاضمار والحقيقة والمجاز والعموم والخصوص والتقديم والتأخير والاجمال والبيان وغير مما هو خلاف الظاهر ولا يكفي مع ذلك معرفة العربية وحدها بل لابد معها من معرفة ما قاله أهل التفسير فيها فقد يكونون مجتمعين على برك الظاهر أو على إرادة الخصوص أو الاضمار وغير ذلك مما هو خلاف الظاهر وكما إذا كان اللفظ مشتركا في معان فعلم في موضع أن المراذلك أحد المعاني ثم فسر كل ما جاء به فهذا كله تفسير بالرأي وهو حرام والله أعلم فصل : يحرم المراء في القرآن والجدال فيه بغير حق عمن ذلك أن يظهر فيه دلالة الآية على شيء يخالف مذهبه ونحتمل احتمالا ضعيفا موافقة مذهبه فيحملها على مذهبه ويناظر على ذلك مع ظهورها في خلاف ما يقول وأما من لا يظهر له ذلك فهو معذور وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال [ المراء في القرآن كفر ] قال الخطابي : المراد بالمراء الشك وقيل : الجدال المشكوك فيه وقيل وهو الجدال الذي يفعله أهل الأهواء عي آيات القدر ونحوها فصل : وينبغي لمن أراد السؤال عن تقديم آية على آية في المصحف أو مناسبة هذه الآية في هذا الموضع ونحو ذلك أن يقول ما الحكمة في كذا فصل : يكره أن يقول نسيت آية كذا بل يقول أنسيتها أو أسقطتها فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قا ل : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لا يقول أحدكم نسيت آية كذا وكذا بل هو شيء نسي ] وفي رواية في الصحيحين أيضا [ بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كيت وكيت بل بو نسي ] وثبت في الصحيحين أيضا عن عائشة ا [ أن النبي صلى الله علية وسلم سمع رجلا يقرأ فقال رحمه الله لقد ذكرني آية كنت أسقطتها ] وفي رواية في الصحيح [ كنت أنسيتها ] وأما ما رواه ابن أبي داود عن أبي عبد الرحمن السلمي التابعي الجليل أنه قال : لا تقل أسقطت آية كذا قل أغفلت فهو خلاف ما ثبت في الحديث الصحيح فالاعتماد على الحديث وهو جواز أسقطت وعدم الكراهة فيه فصل : يجوز أن يقال سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء وسورة المائدة وسورة الأنعام وكذا الباقي لاكراهة في ذلك وكره بعض المتقدمين هذا وقال : يقال السورة التي يذكر فيها البقرة والسورة التي يذكر فيها آل عمران والسورة التي يذكر فيها النساء وكذا البواقي والصواب الأول فقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قوله سورة البقرة وسورة الكهف وغيرهما مما لا يحصي وكذلك عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قال ابن مسعود : هذا مقام الذي أنزلت سورة النساء والأحاديث وأقوال والسلف في هذا أكثر من أن تحصر وفي السورة لغتان الهمز وتركه والترك أفصح وهو الذي جاء به القرآن وممن ذكر اللغتين ابن قتيبة في غريب الحديث فصل : ولا يكره أن يقال هذه قراءة أبي عمرو أو قراءة يافع أو حمزة أو الكسائي أو غيرهم هذا و المختار الذي عليه السلف والخلف من غير إنكار وروى ابن أبي داود عن إبراهيم النخعي أنه قال : كانوا يكرهون أن يقفا سنة فلان وقراءة فلان والصحيح ما قدمناه فصل : لا يمنع الكافر من سماع القرآن لقول الله تعالى { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } ويمتنع من كان لا يرجى إسلامه لم يجز تعليمه القرآن ؟ قال أصحاينا إن كان لا يرجى إسلامه لم يجز تعليمه وإن رجي إسلامةفوجهان : أصحهما يجوز رجاء إسلامه والثاني لا يجوز كما لا يجوز بيع المصحف منه وان رجي إسلامه وأما إذا رأيناه يتعلم فهل يمنع ؟ فيه وجهان فصل : اختلف العلماء في كتابة القرآن في إناء ثم يغسل ويسقى المريض فقال الحسن و مجاهد و أبو قلابة و الأوزاعي : لا بأس به وكرهه النخعي قال القاضي حسين البغوي وغيرهما من أصحابنا : ولو كتب القرآن على الحلوى وغيرها من الأطعمة فلا بأس باكلها قال القاضي : ولو كان خشية كره إحراقها فصل : مذهبنا أنه يكره يقش الحيطان والثياب والقرآن وبأسماء لله تعلى قال عطاء لابأس بكتب القرآن في قبلة المسجد وأما كتابة الحر زمن القرآن فقال مالك : لا بأس به إذا كان في قصبة أو جلد وخرز عليه وقال بعض أصحابنا : إذا كتب في الخرز قرآنا مع غير ه فليس بحرام ولكن الأولى تركه لكونه يحمل في حال الحديث وإذا كتب يصان بما قاله الامام مالك رحمه الله ن بهذا افتى الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله فصل : في النفث مع القرآن للرقية روى ابن أبي داود عن أبي حيفة الصحابي واسمه وهب بن عبد ال له وقيل غير ذلك وعن الحسن البصري و إبراهيم النخعي أنهم كرهوا فقد ثبت عن عائشة ا [ ان النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا أوى أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثم مسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات ] رواه البخاري و مسلم في صحيحيهما وفي روايات في الصحيحين زيادة على هذا ففي بعضها قالت عائشة ا [ فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به ] وفي بعضها ( كان النبي صلى الله عله وسلم ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات قالت عائشة ا : فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيد بنفسه لبركتها ) وفي بعضها [ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث ] قال أهل اللغة : النفث نفخ لطيف بلا ريق والله أعلم (1/97) الباب الثامن : في الآيات والسور المستحبة في أوقات وأحوال مخصوصة اعلم أن هذا الباب واسع جدا لا مكن حصره لكثرة ما جاء فيه ولكن نشير إلى أكثره أو كثيرمنه بعبارات وجيرة فإن أكثر الذي نذكره فيه معروف للخاصة والعامة ولهذا لا أذكر الأدلة في أكثره فمن ذلك كثره الاعتناء بتلاوة القرآن في شهر رمضان وفي العشر الأخير آكد وليالي الوتر منه آكد ومن ذلك العشر الأول من ذي الحجة ويوم عرفة ويوم الجمعة وبعد الصبح وفي الليل وينبغي أن يحافظ على قراءة يس والواقعة وتبارك الملك فصل السنة أن يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة بعد الفاتحة في الركعة الأولى سورة الم تنزيل بكمالها وفي الثانية هل أتى على الانسان بكاملها ولا يفعل ما يفعله كثير من أئمة المساجد من الاقتصار على آيات من كل واحدة منهما مع تمطيط القراءة بل ينبغي أن يقرأهما بكمالهما ويدرج قؤاءته مع ترتيل والسنة أن يقرأ في صلاة الجمعة في الركعة الأولى سورة الجمعة بكمالها وإن شاء سبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية هل أتاك حديث الغاشية فكلاهما صحيح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وليجتنب الاقتصار على البعض وليفعل ما قدمناه والسنة في صلاة العيد في الركعة الأولى سورة ق وفي الثانية سورة اقتربت الساعة بكمالها وإن شاء سبح وهل أتاك فكلاهما صحيح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وليتجنب الاقصار على البعض فصل : ويقرأ في ركعتي سنة الفجر بعد الفاتحة إلأولى قل ياأيها الكافرون وفي الثانية قل هو الله أحد إن شاء قرأ في الولى قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا الآية وفي الثانية قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم الآية فكلاهما صحيح من فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم ويقرأ في سنة المغرب قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد ويقرأ بهما أيضا في ركعتي الطواف وركعتي الاستخارة ويقرأ من أوتر بثلاث ركعات في الركعة الأولى سبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله احد والمعوذتين فصل : ويستحب أن يقرأ سورة الكهف يوم الجمعة الحديث أبي سعيد الخدري وغيره فيه قال الامام الشافعي في الأم : ويستحب أن يقرأها أيضا ليلة الجمعة ودليل هذا ما رواه أبو محمد الدارمي باسناده عن أبي سعيد الخدري قال [ من قرأ سوة الكهف ليلة الجمعة أضاء له النور فيما بينه وبين البيت العتيق ] وذكر الدرامي حديثا في استجاب قرأءة سورة هود يوم الجمعة وعن مكحول التابعي الجليل استحباب قراءة آل عمران يوم الجمعة فصل : ويستحب الأكثار من تلاوة آية الكرسي في جميع المواطن وأن يقرأها كل ليلة إذا أوى إلى فراشه وأن يقرأ المعوذين عقب كل صلاة فقد صح عن عقبة بن عامر قال [ أمرني رسول الله صلى الله عليه و سلم أن أقرأ المعوذين دبر كل صلاة ] رواه أبو داود و الترمذي و النسائي قال الترمذي : حديث حسن صحيح فصل : يستحب أن يقرأ عند النوم آية الكرسي وقل هو الله أحد والمعوذين وآخر سور ة البقرة فهذا مما يهتم له ويتأكد الاعتناء به فقد ثبت فيه أحاديث صحيحة عن أبي مسعود البدري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأها في ليلة كفتاه قال جماعة من أهل العلم : كفتاه عن قيام الليل وقال آخرون : كفتاه المكروه في ليلته وعن عائشة ا [ أن النبي صلى الله عليه و سلم كان كل ليلة يقرأ قل هو الله أحد والمعوذين ] وقد قدمناه في فصل النفث بالقرآن وروى عن أبي داود باسناده عن علي كرم الله وجهه قال : ما كنت أرى أحد يعقل دخل في الاسلام ينام حتى يقرأ آية الكرسي وعن علي كرم الله وجهه أيضا قال [ ما كنت أرى أحد يعقل ينام قبل أن يقرأ الآيات الثلاث الأواخر من سورة البقرة ] اسناده صحيح على شرط البخاري و مسلم و عن عقبة ابن عامر قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لا تمر بك ليلة إلا وأنا أقرؤهن ] وعن إبراهيم النخعي قال ( كانوا يستحبون أن يقرؤوا هذه السور كل ليلة ثلاث مرات قل هو الله أحد والمعوذتين ) أسناد صحيح على شرط مسلم وعن إبراهيم أيضا كانوا يعلمونهم إذا أووا إلى فراشهم أن يقرؤوا المعوذتين وعن عائشة ا [ كان النبي صلى الله عليه و سلم لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني اسرائيل ] رواه الترمذي وقال حين ويستحب أن يقرأ إذا استيقظ من النوم كل ليلة آخر آل عمران من قوله تعالى { إن في خلق السموات والأرض } إلى أخرها فقد ثبت في الصحيحين ( أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقرأ خواتيم آل عمران إذا استيقظ ) فصل : فيما يقرأ عند المريض يستحب أن يقرأ عند المريض بالفاتحة لقوله صلى الله عليه و سلم في الحديث الصحيح فيها [ وما أدراك أنها رقية ] ويستحب أن يقرأ عنده قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس مع النفث في اليدين فقد ثبت في الصحيحين من فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد يقدم بيانه في فصل النفث في آخر الباب الذي قبل هذا وعن طلحة بن مطرف قال : كان المريض إذا قرئ عنده القرآن وجد لذلك خفة فدخلت على خيمة وهو مريض فقلت إني أراك اليوم صالحا فقال إني قرئ عندي القرآن وروى الخطيب أبو بكر البغدادي رحمه الله باسناده : أن الرمادي كان إذا اشتكى شيئا قال هاتوا أصحاب الحديث فإذا حضروا قال : اقرءوا على الحديث فهذا في الحديث فالقرآن أولى فصل : فيما يقرأ عند الميت قال العلماء من أصحابنا وغيرهم : يستحب أن تقرأ عنده يس لحديث معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ أقرءوا يس على موتاكم ] رواه أبو داود و النسائي في عمل اليوم والليلة و ابن ماجه باسناد ضعيف وروى مجالد عن الشعبي قال : كانت الأنصار إذا حضروا عند الميت قرءوا سورة البقرة و مجالد ضعيف والله أعلم منقول للافادة لاتنسونا من صالح دعائكم |
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | ||
![]() ![]()
الجنس : أنثى
الحالة : ![]()
![]()
|
بارك الله فيكم وجزاكم الفردوس
|
||
|
|
|
رقم المشاركة : 3 |
|
عضو جديد ![]()
الجنس : ذكر
الحالة : ![]()
![]()
|
جزانا وجزاك بارك الله فيك علي المرور والدعاء وتقبل الله منا صالح الدعاء |
|
|
|
رقم المشاركة : 4 | ||
![]() ![]()
الجنس : ذكر
الحالة : ![]()
![]()
|
شـكــ وبارك الله فيكم ـــرا لكم ... لكم مني أجمل تحية .
|
||
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| ╝◄◄ محاضرة حال السلف مع القرآن الكريم ►►╚ | ابو بكر | مــنــتــدى الــقــرآن الـكــريــم | 1 | 19-08-2012 07:53 PM |
| فضل ختمة القرآن وأحكامها | amrobashah | مــنــتــدى الــقــرآن الـكــريــم | 1 | 19-08-2012 07:52 PM |
| الرد على شبهة أن القرآن مقتبس من التوراة . | DaNa | مـنـتــدى الــرد عــلـى الـشبـهـات و العقائد الباطلة | 3 | 11-01-2011 04:56 AM |
| إحصاءات ومعلومات عن القرآن الكريم | amrobashah | مــنــتــدى الــقــرآن الـكــريــم | 4 | 02-01-2011 04:25 AM |
| التبيان في آداب حملة القرآن | طالبه رضاء الله | مــنــتــدى الــقــرآن الـكــريــم | 1 | 29-03-2007 12:04 PM |